
كمال الدوخي
هناك كتب تقرأ للاستمتاع، وأخرى لا تنتهي بمجرد إغلاق صفحاتها، بل تبدأ رحلتها الحقيقية داخل عقل القارئ. ومن هذا النوع كتاب «الإنسان يبحث عن معنى» لفيكتور فرانكل، الطبيب النفسي النمساوي الذي عاش تجربة الاعتقال في معسكرات النازية، وفقد والديه وزوجته وعددًا من أحبائه، لكنه خرج من تلك التجربة لا يحمل رغبة في الانتقام، بل يحمل سؤالًا أعظم: لماذا ينجو بعض الناس نفسيًا رغم كل ما يتعرضون له، بينما ينهار آخرون رغم أن ظروفهم متشابهة؟
لا يقدم فرانكل بطولات خارقة، ولا يصور نفسه بطلًا يتحدى المستحيل، بل يصف الإنسان في أكثر حالاته هشاشة. الجوع، والبرد، والخوف، والإهانة، والعمل القاسي، وانتظار الموت؛ كلها كانت واقعًا يوميًا. ومع ذلك، لاحظ أن هناك من احتفظ بإنسانيته، بل وتقاسم آخر قطعة خبز مع غيره، وواسى رفاقه، وتمسك بالأمل حتى اللحظة الأخيرة. ومن هنا بدأ يستشعر أن الإنسان لا يعيش بالطعام وحده، ولا بالراحة، ولا حتى بالحرية الجسدية، وإنما يعيش عندما يجد سببًا يجعله يتمسك بالحياة.
الفكرة الجوهرية في الكتاب أن الإنسان ليس مجرد كائن يسعى إلى اللذة أو السلطة، بل هو كائن يبحث عن معنى. فإذا وجد هذا المعنى استطاع أن يتحمل ما يبدو مستحيلًا، وإذا فقده أصبح كل شيء بلا قيمة. لذلك يؤكد فرانكل أن السؤال الحقيقي ليس ماذا أريد من الحياة؟ بل ماذا تريد الحياة مني؟ فالحياة في نظره، تضع أمام كل إنسان مسؤولية خاصة لا يستطيع أحد أن يؤديها نيابة عنه.
ومن أعمق الأفكار التي يناقشها الكتاب أن الحرية ليست غياب القيود. فقد يكون الإنسان خلف الأسلاك الشائكة، لكنه يظل حرًا في اختيار موقفه من الألم. وقد يكون خارج السجن، لكنه أسير الخوف أو الطمع أو الكراهية. لذلك يرى فرانكل أن آخر ما يمكن أن ينتزع من الإنسان هو حريته الداخلية؛ حرية اختيار استجابته لما يواجهه. هذه الحرية هي التي تحفظ الكرامة الإنسانية حتى في أحلك الظروف.
لذلك عندما تقرأ صفحات الكتاب، أنت تتجول في حياة وتجربة صنعت انسان لديه تبرير للدوافع البشرية، ما يجعله متسامح مع ما يحدث حوله حتى مع السجان نفسه، بدون عقد، بدون أن يحتاج أن يجتر الماضي لأنه اختار أن يمضي قدما للمستقبل، فلو بقي فرانكل أسير لتجربة الماضي ما استطاع أن يقدم لنا حتى هذا الكتاب الذي بين أيدينا.
التجربة البشرية في السجن مهما تكن سيئة إلا أن الانسان لديه شعور أن العلاقة مع محيطه علاقة مؤقتة بمحكومية محددة، وهذا يخفف من وطأت الخلافات البينية، عكس علاقتنا مع محيطنا خارج أسوارها، هي تتوق نحو الديمومة وهذا ما يجعل وطأت الفراق والخلاف والفقد والخيانة والغدر أشد ألما، لأنك خلف الأسوار لم يكن من حولك خيارك، ولكن خارج الأسوار كانت خياراتك.
لا يمجد الكتاب المعاناة، ولا يدعو إلى البحث عنها، بل يفرق بين الألم الذي يمكن تجنبه والألم الذي لا مفر منه. فإذا أمكن إزالة المعاناة كان ذلك واجبًا، أما إذا أصبحت حقيقة لا يمكن تغييرها، فإن التحدي يتحول إلى كيفية مواجهتها دون أن يفقد الإنسان إنسانيته. وهنا تتحول المأساة من مجرد ألم إلى فرصة لاكتشاف القوة الكامنة في النفس.
فرانكل قدم مفهوم «العلاج بالمعنى»، وهو اتجاه في علم النفس يقوم على أن كثيرًا من الأزمات النفسية تنشأ من الفراغ الوجودي، أي شعور الإنسان بأن حياته بلا هدف. فالنجاح، والمال، والشهرة، قد تحقق الراحة، لكنها لا تمنح المعنى بالضرورة. ولهذا قد نجد أشخاصًا يملكون كل أسباب الرفاهية، ومع ذلك يشعرون بالفراغ، بينما يعيش آخرون حياة بسيطة، لكنهم يشعرون بالرضا لأنهم يدركون لماذا يعيشون.
قيمة الكتاب لا تكمن في قصته وحدها، بل في الأسئلة التي يتركها في ذهن القارئ. ما الذي يجعل الحياة تستحق أن تعاش؟ ما الذي يبقى للإنسان عندما يفقد كل شيء؟ وهل يمكن أن تتحول المأساة إلى مصدر للنضج والحكمة؟ هذه الأسئلة لا يقدم لها إجابات جاهزة، بل يدفع القارئ إلى البحث عن إجاباته الخاصة.
وربما تكمن عبقرية فرانكل في أنه لم يجعل المعنى فكرة مجردة، بل ربطها بالمسؤولية، والعمل، والحب، والوفاء، وخدمة الآخرين. فالمعنى ليس شيئًا نعثر عليه صدفة، بل شيء نصنعه من خلال مواقفنا واختياراتنا اليومية. لذلك فإن الإنسان لا يقاس بما يملكه، بل بما يمنحه للحياة ولمن حوله.
تجربة السجن بحد ذاتها تجربة ثرية، فهي قادرة على اختصار التحولات التي يمر بها البشر خلال سني حياتهم الطويلة في سنوات قليلة، لذلك يخرج السجين كهلاً، محملاً بتجربة مختلفة، تجعله يدرك كيف يوظف كل قيم وسلوكيات البشر في موقعها، يعرف كيف يحزن وعلى من يحزن، ويدرك متى يغضب ومتى يتواضع ومتى يضحك ومتى يسامح، ومتى يبتعد ومتى يقترب، ومن يكرم ومن يتجاهل ولكل سجين تجربته الخاصة التي لا يمكن تعميمها.
لأعود للكتاب الذي أصبح أكثر من مجرد سيرة ذاتية أو دراسة في علم النفس؛ بل شهادة على قدرة الإنسان على مقاومة اليأس، وإعلان بأن الكرامة لا تقاس بالظروف، وإنما بالموقف منها. وهو يذكرنا بأن أعظم الانتصارات ليست دائمًا على الآخرين، بل على اليأس والخوف والأحقاد التي تدمر أصحابها قبل الآخرين.
بعد عقود من صدوره، لا يزال هذا الكتاب يحتفظ بقيمته، لأن الإنسان ما زال يواجه السؤال نفسه الذي واجهه فرانكل: ما الذي يمنح حياتي معنى؟ ولعل الرسالة الأهم التي يتركها للقارئ هي أن الحياة، مهما اشتدت قسوتها، تظل تمنح كل إنسان فرصة ليختار موقفه، ويؤدي رسالته، ويصنع معنى لا يستطيع أحد أن يسلبه منه.
إقرأ أيضا:
لعنة “الألم” .. بين فلسفتي اللغة والعقل





