أقلام

دراسة جديدة: طاولة المطبخ قد تكون أفضل مكان لتعلّم الرياضيات

المترجم : عدنان أحمد الحاجي

في أذهان الكثير، تدريس مادة الرياضيات منحصر بالصف المدرسي فقط، وعلى السبورات، وفي الكتب المدرسية، ويُقاس فهمه واستيعابه بالاختبارات. لكن هناك بحث جديد أجرته أمبر سيمبسون Amber Simpson، الأستاذ المشارك في قسم التدريس والتعلّم والقيادة التربوية بكلية الشؤون المجتمعية والعامة، يُثبت أن الرياضيات حاضرة في حياتنا اليومية وفي كل مكان، ولا سيما داخل المنزل، لا فقط منحصرة فيما يتعلمونه داخل أسوار المدرسة. كما تبين أن للأسر دور مهم في الطريقة التي يعيش بها الأطفال الرياضيات، حتى وإن لم يدرك أولياء الأمور أنهم يساعدون أطفالهم على تعلمها. فالطريقة تنطوي على كل ما له علاقة للطفل بالرياضيات، مثل استخدام الأعداد أثناء اللعب، أو العد عند ترتيب الألعاب، أو قياس (وزن أو حجم) المكونات أثناء الطهي، أو حساب النقود أثناء التسوق مع الأسرة. هذه التجارب اليومية تشكل فهم الطفل للرياضيات، ومدى استمتاعه بالمادة، وثقته في قدرته على توظيفها في الحياة اليومية.

ُشرت نتائج هذه الدراسة (١) مؤخرًا في مجلة Mathematical Thinking and Learning، إلا أن بدايتها تعود إلى فترة عمل أمبر سيمبسون طالبة ما بعد الدكتوراه، حين كانت تدرس برامج ما بعد الدوام المدرسي. وتقول سيمبسون إنها أُعجبت بالطرق المدهشة التي كان الأطفال يتعلمون بها مفاهيم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM). لكن هذا دفعها إلى طرح سؤال مهم: كيف يستمر هذا التعلم عندما يعود الأطفال إلى منازلهم

في هذه الدراسة، صممت سيمبسون وفريقها 12 مجموعة من الأنشطة الهندسية (تحت برنامج يعرف بـ MAKEngineering وهو برنامج تعليمي قائم على أنشطة وتحديات هندسية عملية، يشجع الأطفال على تصميم وبناء حلول لمشكلات واقعية في الحياة باستخدام مواد بسيطة ومتاحة. فعلى سبيل المثال، كان المطلوب في أحد التمرينات من الأطفال استخدام مواد متوفرة في المنزل لبناء نموذج أولي لمنزل يساعد الحيوانات على النجاة من الظواهر الجوية القاسية التي قد تحدث في منطقتهم، مثل الأعاصير أو الزلازل أو موجات الحر والبرد الشديدة.

حين أرادوا تصميم هذه مجموعات الأنشطة التعليمية التي استخدمها الباحثون في الدراسة قبل توزيعها على الأطفال والأسر للمشاركة في هذه الأنشطة. كانت عملية التصميم الهندسي هو الأساس الذي اعتمد عليه الباحثون. فقد صُممت كل مجموعة من مجموعات هذه الأنشطة لتشجع الأطفال ومقدمي الرعاية على البحث، والتخطيط، وتنفيذ الفكرة التي توصلوا إليها وتحويلها إلى نموذج أو تصميم باستخدام المواد المتاحة. ثم يجربون هذا النموذج ليروا ما إذا كان التصميم يحقق الهدف المطلوب، فإذا لم ينجح كما ينبغي، يمكنهم تعديله وتحسينه، والتأمل في خطوات العمل التي اتبعوها أثناء تنفيذ المهمة، وماذا كان ناجحََا أو لم ينجح فيها. كما يقيمون النتيجة النهائية التي توصلوا إليها، ويفكرون في كيفية تحسينها إذا أعادوا تنفيذ النشاط مرة أخرى  كما صُممت التحديات لتكون مفتوحة النهاية عمدًا، بحيث لا توجد إجابة واحدة صحيحة، ما أتاح لكل أسرة ابتكار حلول مختلفة عن بعضها.

تفاعل الطفل مع الرياضيات واستكشفها وفهمها بالتجربة والممارسة، وليس مجرد حل المسائل أو حفظ القوانين الحسابية

سبع عائلات من منطقتي الشمال الشرقي والغرب الأوسط في الولايات المتحدة شاركت في الدراسة، وطلب الباحثون من كل عائلة تسجيل مقاطع فيديو أثناء تعاون أفرادها معًا لحل كل مسألة رياضية. وقد استخدم الباحثون هذه التسجيلات لمراقبة مدى تفاعل أفراد الأسرة مع بعضهم، وطريقة تفكيرهم ومناقشتهم أثناء حل المسائل، وليس الاكتفاء بالنظر إلى الإجابة النهائية فقط

تسجيلات مقاطع الفيديو بينت أن مجموعة الأنشطة الهندسية لم تجعل الأطفال يفكرون  في مفاهيم الهندسة فقط بالطريقة التي يفكر بها المهندس في حال تصميم شيء أو بنائه، مثل اختيار الشكل المناسب، وتحديد المواد، والتأكد من سلامة البناء وأنه يؤدي الغرض المطلوب، بل دفعتهم أيضًا إلى استخدام مهارات رياضية أثناء التصميم والبناء. فقد استخدم الأطفال التفكير الهندسي، والقياس بأساليب بسيطة غير احترافية، وفهم النِّسب والأحجام لحل المسائل. على سبيل المثال، استخدم أحد الأطفال إصبعه بمثابة وحدة قياس تقريبية لقياس طول قدمه خلال صنعه للحذاء، بينما أضاف شقيقان رفًا أفقيًا لتقف عليه الطيور وسقفًا مائلًا يحميها من المطر عند بنائها عش  لها، ما يدل على أنهم كانوا يطبقون التفكير الرياضي والهندسي بصورة عملية أثناء العمل التصميمي.

لكن أكبر مفاجأة في نتائج الدراسة لم تكن متعلقة بالأطفال، بل بالآباء والأمهات (الوالدين أو أولياء الآمور). إذ أوضحت سيمبسون أن هناك اعتقادًا شائعًا بأن الوالدين لا يمتلكون المعرفة أو المهارات التي تمكنهم من مساعدة أطفالهم في تعلم الرياضيات، إلا أن نتائج الدراسة تشير إلى عكس ذلك. فقد تبين أن الوالدين ومقدمي الرعاية لديهم بالفعل خبرات ومعارف يمكنهم من خلالها دعم أطفالهم في التفكير الرياضي، وذلك بالاعتماد على أساليبهم اليومية المألوفة في التفاعل وحل المشكلات او المسائل، حتى وإن لم يستخدموا أساليب أو مصطلحات رياضية رسمية.

ومن النتائج المهمة الأخرى، التي خصصت لها سيمبسون ورقة بحثية مستقلة ما زالت قيد المراجعة، كانت عن دور الأشقاء، سيما تأثير الأخ الأكبر أو الأخت الكبرى في تشكيل خبرات الأخ أو الأخت الأصغر سنََا أثناء مجموعة الأنشطة الهندسية. فقد أثبتت الدراسة أن الأشقاء الذين عملوا معًا على مجموعات الأنشطة كانوا يتبادلون أدوارًا مختلفة؛ ففي بعض الأحيان كان الشقيق الأكبر، أو الأخت الكبرى، يقدم الدعم والمساعدة، وفي أحيان أخرى كان يهيمن على سير المهمة، ومع ذلك استمر جميع الأشقاء في التعاون  معََا، منخرطين في عملية التصميم. كما شملت الدراسة مجموعة من التوائم، وهو ما أتاح للباحثين فرصة مثيرة لملاحظة طبيعة التفاعل بينهما أثناء تنفيذ هذا النوع من الأنشطة، كما قالت سيمبسون.

حين يمتد التعليم خارج المدرسة إلى المنزل

الورقة البحثية آطرت مادة الرياضيات بأنها ليست مجرد مجموعة من العمليات الحسابية أو بالقدرات التي نؤديها، بل هي تجربة نعيشها ونجسدها في الواقع المعاش، ونستخدمها ونفسرها وفقًا للمواقف والظروف والسياقات المختلفة. وترى سيمبسون أن نتائج البحث تمثل تحولًا في الطريقة التي ننظر بها إلى الرياضيات وإلى دور الوالدين في تعليم أبنائهم، إذ تؤكد أن للرياضيات التي يتعلمها الأطفال ويمارسونها خارج المدرسة، في المنزل والحياة اليومية، قيمة حقيقية لا تقل أهمية عن الرياضيات التي تُدرَّس داخل الصف الدراسي الكلاسيكي، وأنه ينبغي النظر إلى النوعين بوصفهما متكاملين ومتساويين في الأهمية

ترى سيمبسون أن نتائج الدراسة تمثل تحولًا في الأسلوب التي ننظر به إلى الرياضيات وإلى دور الوالدين في تعليم أطفالهم. فهي تؤكد أن تعلم او تعليم الرياضيات لا ينبغي أن يقتصر على ما يحدث داخل المدرسة، بل إن الخبرات الرياضية التي يكتسبها الأطفال في المنزل والحياة اليومية لها قيمة حقيقية أيضًا، وينبغي الاعتراف بها والتعامل معها بوصفها مكملة للتعليم المدرسي، وليست أقل أهمية منه.

وتضيف أن التحدي الأكبر الآن هو كيفية تحويل هذه النتائج البحثية إلى تطبيق عملي. وتشير إلى أن الأفكار والأنشطة التي اعتمدتها الدراسة ضمن مجموعات الأنشطة التعليمية، لا تُوظف حاليًا في الصفوف الدراسية. كما وجدت من خلال تصميم برامج تدريبية للمعلمين أن من الضروري أن يجرب المعلمون هذه الأنشطة بأنفسهم أولًا ويفهموا طبيعتها، قبل التفكير في تطبيقها على الأطفال

بالرغم من أن تطبيق هذه الأفكار على نطاق واسع في الصفوف الدراسية، لم يبدأ بعد، فإنه يُعد هدفًا يسعى الباحثون إلى تحقيقه. وتؤكد سيمبسون أن تحويل نتائج الأبحاث إلى ممارسات تعليمية فعلية أمر بالغ الأهمية، من خلال توعية أولياء الأمور  والمعلمين بأهمية تقدير الطرق  التي تمارس بها الأسر تعليم أطفالهم الرياضيات في حياتهم اليومية وعدم التقليل من أهميتها، بل وتشجيعها، واعتبار أن تعلم الرياضيات لا يقتصر فقط على ما يُدرَّس داخل الصف الدراسي، حتى لو اختلفت عن أساليب تدريس الرياضيات التقليدية في المدارس. فالأطفال يتعلمون مفاهيم الرياضيات من خلال أنشطة الحياة اليومية داخل المنزل، مثل الطبخ، والتسوق، وتوزيع الأشياء، وقياس الكميات وزنََا وحجمََا، وحساب الوقت. وهذه الممارسات قد لا تشبه دروس الرياضيات المدرسية، لكنها تظل وسيلة حقيقية ومفيدة لتعلم الرياضيات،

الهوامش

1- https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/10986065.2026.2635952

المصدر الرئيس

https://www.binghamton.edu/news/story/6301/the-best-math-lesson-might-be-happening-at-your-kitchen-table

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds