
أحمد الطويل
تنويه:
هذه المقالة هي الأخيرة من سلسلة “الحسين الذي لا يغيب”، نختم فيها رحلتنا مع نهضة الإمام الحسين عليه السلام بالتأمل في مسؤولية نقل رسالته إلى الأجيال القادمة؛ فلا يبقى حب الحسين ميراثًا عاطفيًا فحسب، بل يتحول إلى وعي، وأخلاق، ورسالةٍ تستمر ما استمرت الحياة.
مقدمة:
بعد أن تعلّمنا من كربلاء كيف نبني الإنسان، وكيف نصنع المجتمع، وكيف نحفظ أخلاقنا حتى مع من يختلف معنا، يبقى سؤالٌ أخير لا يقل أهمية عن كل ما سبق: كيف نضمن أن تبقى هذه الرسالة حيّة بعدنا؟
فالأجيال لا ترث الإيمان كما ترث الأسماء، ولا تنتقل إليها القيم بالدم وحده، وإنما تنتقل بالتربية، والقدوة، والكلمة الصادقة، والحياة التي يرى فيها الأبناء حقيقة ما نؤمن به.
ولهذا لم يكن اهتمام أهل البيت عليهم السلام منصرفًا إلى حاضرهم فقط، بل كانوا يبنون الإنسان الذي يحمل الرسالة بعدهم، لتبقى الهداية ممتدةً جيلاً بعد جيل.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب كربلاء ليس أن ينساها الناس، بل أن تبقى حاضرةً في الذاكرة وغائبةً عن التربية. وأن يعرف الأبناء أسماء الأبطال، لكنهم لا يعرفون القيم التي استشهدوا من أجلها.
فالمجالس، والكتب، والخطب، كلها وسائل عظيمة، ولكنها لا تغني عن البيت الذي يعيش فيه الأبناء الصدق، والرحمة، والأمانة، فيدركون أن الحسين عليه السلام ليس قصةً تُروى، بل منهجًا يُعاش.
ومن هنا فإن مسؤولية كل جيل ليست أن يحب الحسين عليه السلام وحده، بل أن يورث هذا الحب واعيًا، نقيًا، مرتبطًا بالعمل والأخلاق، حتى يبقى الحسين حاضرًا في النفوس كما بقي حاضرًا في التاريخ.
وهذه وقفةٌ أخيرة مع الحسين الذي لا يغيب، حين تورث كربلاء للأجيال.
الرسالات لا تموت إذا حملها الأمناء
قد يظن الإنسان أن بقاء المبادئ مرتبطٌ ببقاء أصحابها، فإذا رحلوا خمد ذكرهم، وضعفت رسالتهم، وابتعد الناس عن نهجهم. ولكن سنن الله في التاريخ تخبرنا بعكس ذلك؛ فالأنبياء رحلوا، وبقيت دعوتهم، والصالحون غابوا عن الدنيا، وبقي أثرهم يهدي الناس من بعدهم.
ولهذا لم يكن همُّ الرسالات أن تصنع جيلًا واحدًا، بل أن تُنشئ أجيالًا تحمل الأمانة، جيلاً بعد جيل، حتى يبقى نور الحق ممتدًا عبر الزمن.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في دعاء عباد الرحمن، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.
فهم لم يسألوا الله صلاح أنفسهم فقط، بل سألوا صلاح ذريتهم أيضًا، لأنهم أدركوا أن الرسالة التي تتوقف عند جيلٍ واحد سرعان ما تضعف، أما الرسالة التي تتجدد في الأبناء فإنها تبقى حيةً ما بقيت الحياة.
وهذا ما نراه في نهضة الإمام الحسين عليه السلام. فمع أن يوم عاشوراء انتهى منذ قرون طويلة، إلا أن كربلاء ما زالت تنبض بالحياة؛ لأن في كل جيل من حملها، وربّى أبناءه عليها، ونقلها إليهم كما نقلها إليه من سبقه.
ولذلك فإن المحافظة على كربلاء لا تكون بإحياء ذكراها في موسمٍ واحد فحسب، وإنما بأن تبقى قيمها حاضرةً في البيوت، والمدارس، والقلوب، حتى ينشأ الأبناء وهم يعرفون أن الإمام الحسين عليه السلام لم يخرج ليصنع حادثةً تاريخية، بل ليحفظ دينًا، ويقيم قيمةً، ويبني إنسانًا.
ومن هنا فإن أعظم أمانة يحملها المؤمن ليست أن يحتفظ بالإيمان لنفسه، وإنما أن يورثه لمن يأتي بعده. فالأجيال القادمة لن تعرف الإمام الحسين عليه السلام من الكتب وحدها، بل ستعرفه من خلال الآباء والأمهات والمعلمين الذين عاشوا رسالته قبل أن يحدثوا عنها.
وهكذا يتبين أن بقاء كربلاء لم يكن معجزةً تاريخية فحسب، بل ثمرة رجالٍ ونساءٍ حملوا الأمانة، وأدركوا أن الرسالة لا تحفظ بالكلمات وحدها، وإنما تُحفظ حين تتحول إلى تربيةٍ وسلوكٍ وحياة.
لا نورّث الحسين بالكلمات بل بالحياة
قد يحرص الآباء والأمهات على أن يعرف أبناؤهم أسماء أهل البيت عليهم السلام، وأن يحضروا المجالس، وأن يحفظوا شيئًا من سيرتهم، وكل ذلك عملٌ جليل، ولكنه لا يكفي وحده.
فالطفل يتعلم بعينيه قبل أذنيه، ويقرأ أخلاق والديه قبل أن يقرأ الكتب، ولذلك فإن أول درسٍ يتلقاه عن الإمام الحسين عليه السلام ليس ما يسمعه في المجلس، بل ما يراه في البيت.
فإذا نشأ في بيتٍ يعرف الصدق، والأمانة، والرحمة، واحترام الناس، أدرك أن هذه الأخلاق هي امتدادٌ لمدرسة الإمام الحسين عليه السلام. أما إذا سمع عن الحسين عليه السلام كثيرًا، ثم رأى الكذب، أو الظلم، أو القسوة، أو التناقض، فإن الرسالة تضطرب في نفسه، وربما بقي الاسم حاضرًا، وغابت الحقيقة.
ولهذا كان أهل البيت عليهم السلام يربّون الناس بأفعالهم قبل أقوالهم، لأن القدوة أبلغ أثرًا من الموعظة، والسلوك الصادق أرسخ في النفوس من الكلام المجرد.
وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.
فالقرآن لا ينهى عن القول، وإنما يرفض أن ينفصل القول عن العمل؛ لأن الأجيال لا تتربى على الشعارات، وإنما تتربى على الصدق.
ومن هنا فإن أعظم ما يورثه الأب لأبنائه ليس كثرة ما يحدثهم عن الإمام الحسين عليه السلام، بل أن يجعلهم يرون أثر الحسين في معاملته، وفي عدله، وفي وفائه، وفي صبره، وفي رحمته. وكذلك الأم حين تجعل بيتها مدرسةً للمحبة، والصدق، والعفة، والإيمان، فإنها تغرس كربلاء في قلوب أبنائها من حيث لا تشعر.
وعندما يكبر هؤلاء الأبناء، لن يحملوا ذكرى عاشوراء بوصفها مناسبةً موسمية، بل سيحملونها منهجًا للحياة؛ لأنهم رأوا قيمها متجسدةً في أقرب الناس إليهم.
وهكذا تبقى كربلاء حيّةً؛ لا لأن كل جيل يكرر ما قاله الجيل الذي قبله، بل لأن كل جيل يعيش ما آمن به الجيل الذي سبقه، فيصبح الحسين عليه السلام حاضرًا في البيوت قبل أن يكون حاضرًا في الكلمات.
كل جيلٍ أمينٌ على كربلاء
لم تصل إلينا نهضة الإمام الحسين عليه السلام لأن التاريخ حفظها وحده، وإنما لأنها بقيت أمانةً يتناقلها المؤمنون جيلاً بعد جيل. فكم من أحداثٍ عظيمةٍ طواها النسيان، وكم من وقائعَ اندثرت آثارها، لكن كربلاء بقيت حيةً؛ لأنها لم تكن روايةً تُحفظ، بل رسالةً تُعاش.
ومن هنا فإن كل جيلٍ يقف بين أمانتين: أمانةٍ تلقاها ممن سبقه، وأمانةٍ يجب أن يسلمها لمن بعده. فإن أحسن حملها، بقي نور الرسالة ممتدًا، وإن قصّر، انقطع شيءٌ من أثرها في نفوس الأجيال.
ولهذا فإن مسؤولية المؤمن لا تنتهي عند صلاح نفسه، ولا عند إصلاح مجتمعه، بل تمتد إلى أن يترك بعده من يحمل هذا الطريق، ويواصل هذه الرسالة. فخير ما يخلّفه الإنسان ليس مالًا، ولا شهرةً، وإنما أثرٌ صالح يبقى بعد رحيله، يهدي الناس إلى الخير، ويقربهم من الله تعالى.
وقد أشار رسول الله صلى الله عليه وآله إلى هذا المعنى بقوله: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له.»
ومن أعظم صور هذا الأثر أن يربي الإنسان أبناءه، ومن حوله، على المبادئ التي عاش من أجلها الإمام الحسين عليه السلام؛ فينشأ جيلٌ يعرف أن كربلاء ليست دعوةً إلى الحزن وحده، بل دعوةٌ إلى الصدق، والعدل، والوفاء، والإصلاح، والثبات على الحق.
وحين يؤدي كل جيل هذه الأمانة، يبقى الحسين عليه السلام حاضرًا في الأمة، لا لأن الزمن توقف عند عاشوراء، بل لأن عاشوراء بقيت تُنبت رجالًا ونساءً يحملون رسالتها في كل عصر.
وهكذا ندرك أن حفظ كربلاء ليس مسؤولية العلماء والخطباء وحدهم، ولا مسؤولية الآباء والأمهات وحدهم، بل هو مسؤولية كل مؤمنٍ عرف الإمام الحسين عليه السلام، وآمن برسالته، ثم اجتهد أن يترك بعده إنسانًا يعرف الحسين كما عرفه، ويحب الحق كما أحبه، ويسير على نهجه كما سار هو عليه.
ويبقى السؤال
على امتداد هذه السلسلة، وقفنا مع الإمام الحسين عليه السلام في محطاتٍ متعددة؛ فتأملنا كيف تبني كربلاء الإنسان، وتوقظ البصيرة، وتصنع المنتظِر الواعي، وتغرس روح المسؤولية، وتبني المجتمع، وتعلّم أخلاق الاختلاف، ثم تحفظ رسالتها في الأجيال.
لكن هذه المعاني كلها لا تبلغ غايتها إذا بقيت معرفةً في العقول، أو مشاعرَ في القلوب، ولم تتحول إلى حياةٍ يعيشها الإنسان كل يوم.
فالإمام الحسين عليه السلام لم يطلب من الناس أن يحفظوا اسمه فحسب، وإنما أن يحملوا رسالته، ولم يرد لهم أن يحيوا ذكرى عاشوراء وحدها، وإنما أن يحيوا القيم التي استشهد من أجلها.
ولهذا يبقى السؤال الذي ينبغي أن يصاحب كل واحدٍ منا بعد أن يطوي هذه السلسلة: إذا سألنا الإمام الحسين عليه السلام يومًا: ماذا صنعت برسالتي؟ فبماذا سنجيب؟
هل جعلناها خلقًا في بيوتنا، وعدلًا في تعاملنا، ورحمةً في قلوبنا، وأمانةً في أعمالنا، وقدوةً لأبنائنا؟ أم اكتفينا بمحبتها في المشاعر، وتركنا أثرها يغيب عن واقع حياتنا؟
إن الحسين عليه السلام لا يغيب ما دام في الأمة من يحيي مبادئه، ويجعل من حياته شاهدًا على صدق انتمائه. وكلما وُجد إنسانٌ ينتصر للحق، ويعدل مع الناس، ويرحم الضعيف، ويصلح ما استطاع، بقيت كربلاء حيّةً، وبقي الحسين حاضرًا في ضمير الأمة.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يعرفون الإمام الحسين عليه السلام حق المعرفة، ويحبونه حق المحبة، ويقتدون به حق الاقتداء، وأن يرزقنا الثبات على نهجه حتى نلقاه، إنه سميعٌ مجيب.
اللهم اجعلنا من أنصار الحق، وأهل الصدق، وأصحاب الأخلاق التي أحبها محمدٌ وآل محمد، ولا تحرمنا شفاعة الإمام الحسين عليه السلام، واجعل هذه الكلمات خالصةً لوجهك الكريم، نافعةً لعبادك، إنك وليُّ التوفيق.





