أقلام

رفقاءُ السوء … بداية تُغري ونهاية تُبكي 

حسين الحاجي

نادراً ما يبدأ الانحراف بخطيئةٍ كبيرة ، لكنه كثيراً ما يبدأ برفقةٍ تبدو عادية في أعين الناس ، بينما قد تُغيِّر مصير الإنسان كله . فالقصة لا تبدأ بمعصية مدوية ، وإنما بابتسامة ، أو دعوة عابرة ، أو جلسة تتكرر ، ثم يألف القلب ما كان يستنكره ، ويعتاد العقل ما كان يرفضه ، حتى يلتفت الإنسان إلى نفسه ذات يوم ، فإذا هو شخص غريب عن القيم التي نشأ عليها .

ولهذا صوّر القرآن الكريم النهاية بأبلغ تصوير، فقال تعالى ﴿ يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ﴾ إنها ليست مجرد كلمات تُتلى ، بل صرخة ندم خرجت بعدما انكشف كل شيء ، فأصبح أقصى أمنية لذلك الإنسان أن تكون بينه وبين رفيقه أبعد مسافة يمكن تصورها .

ورفيق السوء لا يسلب الإنسان دينه أو أخلاقه دفعةً واحدة ، بل ينتزعها بهدوء ؛ يهوّن الخطأ ، ويؤجل التوبة ، ويطفئ وخز الضمير ، حتى يصبح ما كان مستنكراً بالأمس أمراً مألوفاً اليوم . وهكذا يتغير الإنسان تدريجياً ، وهو يظن أنه ما زال يسير في الطريق الصحيح .

ومع ذلك ، فليس من الإنصاف أن نظن أن كل رفيق سوء تعمّد إفساد غيره ، فقد يكون هو نفسه ضحية لصحبة منحرفة ، ثم تحول ، من حيث لا يشعر ، إلى ناقلٍ لما ابتلي به . فالانحراف لا يحتاج دائماً إلى من يقنعك به ، بل يكفي أن تعتاده حتى تألفه ، ثم تصبح سبباً في انتقاله إلى غيرك دون أن تشعر .

والأخطر أن رفقاء السوء لا يحملون علامة تكشف حقيقتهم . فقد يخدعك حسن المظهر ، ولين الحديث ، وخفة الروح ، بينما لا تنكشف حقيقة الرفيق إلا بعد أن ترى أثره في دين من صاحبه ، وأخلاقه ، وسلوكه . لذلك لا يكفي أن نسأل : من هو ؟ بل يجب أن نسأل : ماذا صنعت صحبته فيمن رافقه ؟

ويبدأ الأمر أحياناً برسالة في مجموعة ، ثم سهرة ، ثم عادة ، ثم غياب عن البيت ، ثم تهاون في الصلاة ، ثم تتغير الألفاظ ، وتتبدل الاهتمامات ، حتى يصبح الرجوع أصعب من البداية . وفي المقابل ، قد يرفعك صديق صالح بكلمة صادقة ، أو نصيحة مخلصة ، أو موقف كريم ، فتستقيم حياتك ، ويطمئن قلبك ، ويشرق مستقبلك .

ومن الحكمة ألا يجعل الأبناء معيارهم من يضحكهم كثيراً، بل من يرفعهم كثيراً . وأن يختاروا من إذا رافقوه ذكّرهم بالله ، وإذا أخطأوا نصحهم ، وإذا ضعفوا شد أزرهم ، وإذا نجحوا فرح لهم بصدق . فالصديق الصالح لا يزاحمهم على الخير ، بل يرشدهم إليه .

وليتذكروا دائماً أن بعض الأبواب لا يُكتب على مداخلها ( طريق إلى الضياع ) بل يُكتب عليها ( صداقة ) . لذلك عليهم أن يحسنوا اختيار الرفيق قبل أن يُحسنوا اختيار الطريق ، لأن الرفيق كثيراً ما يكون هو من يحدد الوجهة . ومن أحسن اختيار من يسير معه ، حفظ الله له دينه ، وأخلاقه ، ومستقبله ، وجنّبه حسرة يومٍ يتمنى فيه أن يكون بينه وبين رفيق السوء بُعد المشرقين .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds