
زكي الجوهر
في عالم كرة القدم، لا تُقاس عظمة المنتخبات بعدد انتصاراتها فقط، بل بطريقة تعاملها مع الهزائم. فبينما يحتفل فريقٌ بالوصول إلى النهائي، يقف فريقٌ آخر أمام مرآة الحقيقة، يبحث عن أسباب الإخفاق بعيدًا عن الأعذار.
وفي أعقاب خروج فرنسا من نصف نهائي كأس العالم 2026 بخسارتها أمام إسبانيا بنتيجة (2-0)، انتشر على نطاق واسع حوار منسوب إلى أسطورة الكرة الفرنسية زين الدين زيدان، حمل رسائل تتجاوز حدود المباراة، وتلامس ثقافة الرياضة وكيفية تقبّل الخسارة.
ففي الحوار، عبّر زيدان عن استيائه من أداء المنتخب الفرنسي، مؤكدًا أن امتلاك المواهب لا يكفي لتحقيق البطولات، وأن الشخصية والروح القتالية هما الفارق الحقيقي في المباريات الكبرى. كما شدد على أن المنتخب الإسباني استحق التأهل لأنه كان الأكثر تركيزًا والأفضل في استغلال اللحظات الحاسمة.
ولكن الأهم من مضمون النقد، هو الرسالة التي يمكن أن يستفيد منها الجمهور الرياضي، خصوصًا في العالم العربي.
الهزيمة ليست مؤامرة، وليست دائمًا نتيجة تحكيم أو سوء حظ. في الرياضة، هناك فريق أفضل في يوم المباراة، وفريق آخر لم ينجح في تقديم مستواه. الاعتراف بهذه الحقيقة لا ينتقص من قيمة الفريق الخاسر، بل يعكس نضجًا رياضيًا واحترامًا للمنافس.
وللأسف، ما تزال بعض الجماهير العربية تتعامل مع الخسارة بمنطق البحث عن شماعة تعلق عليها أسباب الإخفاق، فتارة يكون الحكم، وتارة تقنية الفيديو، وأحيانًا المدرب أو الإعلام، بينما يغيب الاعتراف بأن المنافس قدّم مباراة أفضل واستحق الفوز.
هذه الثقافة لا تساعد على التطور، لأن أول خطوات التصحيح تبدأ بالاعتراف بالأخطاء. فالمنتخبات والأندية الكبرى لا تبني نجاحها على تبرير الإخفاقات، بل على مراجعتها بصدق، ثم العودة بصورة أقوى.
إن احترام المنافس لا يقلل من الانتماء للفريق الذي نشجعه، بل يعكس رقيًا في الفكر الرياضي. فالتصفيق للفائز عندما يستحق، والاعتراف بأفضليته، جزء من أخلاقيات الرياضة التي تعزز التنافس الشريف.
وإذا صحت التصريحات المتداولة المنسوبة إلى زين الدين زيدان، فإن رسالتها الجوهرية واضحة: لا تبحثوا عن الأعذار… ابحثوا عن أسباب التطور.
فكأس العالم لا تحسمه الأسماء الكبيرة وحدها، ولا قيمة المواهب الفردية، وإنما تحسمه الروح، والانضباط، والشخصية، والقدرة على استثمار الفرص في اللحظات الفاصلة.
ويبقى الدرس الأهم أن الفوز والخسارة وجهان للرياضة، وأن الجماهير الواعية هي التي تحتفل بانتصارات فريقها، وتتقبل هزائمه بروح رياضية، وتحترم من يستحق الانتصار. فبهذه الثقافة وحدها تُبنى كرة قدم أكثر نضجًا، وجماهير أكثر وعيًا، ومستقبل رياضي أكثر إشراقًا.





