
عبد الكريم النمر
كيف يمكن لقلبِ عاشق أن يجمع في لحظة واحدة دمعةً وابتسامة؟
يقولون
إن بين بعض الآباء وبناتهم…علاقةً لا تشبه سائر العلاقات.
فقد تكون البنت…أقرب الناس إلى قلب أبيها، وأقربهم إلى أسراره.
حتى الصمت بينهما…يبقى مفهومًا، إذا ضاقت الكلمات.
وبعض الأسرار لا تُعطى لمن نحب فقط، بل لمن نثق أن قلبه سيتحملها أيضًا.
ومن هنا
بدأت حكاية فاطمة وأبيها.
لم تكن فاطمة تدخل على أبيها كأيِّة ابنةٍ تدخل على أبيها.
كان رسول الله إذا رآها مقبلةً عليه قام إليها.
ليس لأن فاطمة ابنته فحسب،
بل لأنّ لها في قلب أبيها مكانًا لا يشبهُ أحد.
يقوم إليها…فيقبّلها، ثم يأخذ بيدها… ويُجلسها في مجلسه.
وكأنّ المكان الذي كان يجلس فيه رسول الله كان لفاطمة فيه مكانٌ محفوظ.
ولم تكن فاطمة أقلَّ حبًا ولا توقيرًا لأبيها، فإذا دخل عليها رسول الله… قامت من مجلسها…تقبّله… ثم تجلسه في مكانها.
ولم يكن الشبه بين فاطمة وأبيها
شبهَ ملامحَ وهيئةٍ فقط.
كان من يراها يرى شيئًا من رسول الله في مشيتها، وفي هدوئها، وفي وقارها، وفي طريقة حديثها وتصرفها.
حتى قالت إحدى زوجات رسول الله عنها:
«ما رأيت أحدًا أشبه سمتًا ودلًّا وهديًا برسول الله في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله»
وكأنها لم تكن تحمل من أبيها ملامحه فحسب…بل حملت شيئًا من روحه، وهديه، ووقاره، وشيئًا من ذلك النور الذي كان يعرف به.
ولعل هذا هو الذي جعل حضور فاطمة على أبيها مختلفًا…
فهو لا يرى أمامه ابنته فقط، بل يرى فيها…شيئًا من روحه.
ثم كان بينهما
ما هو اعمق من مجرد الشبه.
فبعض ما يكون بين الأب وابنته
لا يقال أمام الجميع.
وبعض الكلام
يحتاج إلى قلبٍ يعرفه صاحبه
ويطمئن إليه.
وكانت فاطمة لأبيها… ذلك القلب.
حتى إذا اشتدّ به المرض، وأثقل جسده الوجع، واقتربت تلك الأيام التي لم يكن أحدٌ يعلم ما تخبئه…
كانت فاطمة تدخل عليه.
تقترب منه
وتجلس عنده.
وكان بين الأب وابنته في تلك اللحظات
حديثٌ خاص.
حديث لا يقال لكل أحد
ولذلك حين خلا بها في مرضه الأخير، أسرّ إليها بكلمات لم يسمعها أحد.
كانت لحظات قليلة
ولكنها حملت من المعاني
ما جعل فاطمة تخرج بقلب آخر.
ثم بقي السر…بينهما
ولم تكن تلك النسوة تعرفن ما قاله رسول الله لفاطمة، حتى أنهنّ سألنّها عن سر ذلك الحديث
قالت لهن فاطمة:
انها لن تفشي سر رسول الله حتى يقبض.
وهكذا بقى في قلب فاطمة
كلام لا يعرفه أحد.
ثم جاءت الكلمات التي كشفت شيئًا من تلك المكانة.
أخبرها أبوها
أن لها عند الله مقامًا عظيمًا.
قال لها:
“أمّا ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة”
وفي رواية:
“سيدة نساء العالمين”
فأيُّ أبٍ هذا…
وأيُّة ابنةٍ كانت هي؟
لم يكن رسول الله يكرم فاطمة لأنها ابنته فقط… بل كان يحدّثها عن منزلةٍ عظيمة، ومقام رفعه الله لها.
وكانت تسمع ذلك من أبيها… الذي كانت تعرفه أكثر من بقية الناس
وهو يعرف قلبها أكثر مما يعرفه الناس.
ولعل أجمل ما في الأمر
أنّ هذه الكلمات لم يقلها لها في مكة في بداية الدعوة ولا عند وصوله إلى المدينة
بل قالها
في الساعات الأخيرة من حياته حتى يبيّن مقامها وفضلها ويوصي بها بعد موته.
كأنّ بعض الكلام
كان لا بد أن يعرفه الجميع عن فاطمة… وما أدراك ما فاطمة.
نعود لفاطمة مرة أخرى، وهي تقترب من أبيها.
أكبّت عليه وقبّلته.
ثم رفعت رأسها…فبكت.
ثم عادت إليه مرة أخرى
وأكبٌت عليه.
وبقيت لحظاتٍ قريبةً منه
ثم رفعت رأسها
فتبسّمت.
وهنا
لم تعدن النسوة تفهمنّ.
كيف يمكن لقلبٍ واحد
أن يجمع في لحظة واحدة
دمعةً وابتسامة؟
ما الذي قاله الأب لابنته
حتى بكت حينًا،
ثم تبسّمت حينًا آخر؟
بقي السؤال
حتى جاء اليوم الذي رحل فيه رسول الله.
وعندها فقط…فُهِم سرُّ تلك الدمعة،
وسرُّ تلك الابتسامة.
بكت
لأن أباها سيرحل.
وابتسمت
لأن أباها أخبرها أنها ستكون أسرع أهله لحوقًا به.
وهكذا
حتى في آخر لحظات أبيها، لم تكن فاطمة تسمع منه خبرًا عن الموت فقط
بل كانت تسمع من أبيها
موعدًا آخر للقاء.
بكت لأن أباها سيرحل
وابتسمت لأن الرحيل هذه المرة
لم يكن فراقًا إلى الأبد
بل اللقاء سيكونُ قريبًا.




