أقلام

تأملات في وصايا الإمام العسكري [٢]

عواطف الجعفر

من الوصايا التي تحمل أبعادًا تربوية عميقة: مغفرة الذنب، وكظم الغيظ، وصلة الرحم؛ ثلاث محطات تبدو مختلفة، ولكنها في الحقيقة تلتقي عند صناعة الإنسان المتوازن: إنسان يعرف كيف يتعامل مع ضعفه أمام الله، وكيف يتعامل مع غضبه أمام الناس، وكيف يحافظ على روابطه الأسرية حتى عندما تكون العلاقات صعبة

أولًا: مغفرة الذنب

العودة إلى الله تعالى

الإنسان ليس معصومًا من الخطأ، وقد يضعف أمام شهوة، أو غضب، أو مصلحة، أو لحظة غفلة

لكن الخطأ الحقيقي ليس أن يخطئ الإنسان فحسب، وإنما أن يتحول الخطأ إلى حالة مستمرة تمنعه من العودة إلى الله

ومن هنا تأتي قيمة المغفرة والتوبة.

قال تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.

فالله سبحانه لا يريد من الإنسان أن يعيش أسيرًا لماضيه، بل يريد منه أن يحوّل الندم إلى بداية جديدة

ومغفرة الذنب ليست مجرد كلمة تُقال باللسان، بل هي مشروع إصلاح لبواطن النفس.

أن أعترف بخطئي، وأن أندم عليه، وأن أتركه، وأن أعزم على عدم العودة إليه، وأن أصلح ما أفسدته إن كان للخطأ أثر في حقوق الآخرين.

وهنا نكتشف معنى مهمًا:

التوبة ليست عودة الإنسان إلى نقطة الصفر، بل قد تكون نقطة انطلاق نحو إنسان أكثر وعيًا ونضجًا، فالإنسان الذي عرف ضعف نفسه، وتعلم كيف يستغفر، ويصحح، ويبدأ من جديد، قد يصبح أكثر رحمة بالآخرين؛ لأنه ذاق بنفسه معنى أن يحتاج الإنسان إلى المغفرة

ثانيًا: كظم الغيظ

القوة التي لا تحتاج إلى صراخ.

فمن أصعب المعارك التي يخوضها الإنسان معركة الغضب. قد يستطيع الإنسان أن ينتصر في نقاش، وأن يرفع صوته، وأن يرد الإساءة بإساءة، ولكنه قد يعجز عن الانتصار على نفسه في اللحظة التي يكون فيها قادرًا على الانتقام.

ولهذا قال الله تعالى:

﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.

لاحظوا التدرج القرآني:

كظم الغيظ، العفو، الإحسان.

فكظم الغيظ ليس ضعفًا، وإنما هو أولى مراحل السيطرة على النفس

أن تغضب، ولكن لا تجعل غضبك يقودك.

أن تستطيع الرد، ولكن تختار الصمت.

أن تكون قادرًا على إيذاء من أساء إليك، ولكنك تتوقف لأنك لا تريد أن تتحول إلى صورة أخرى من الشخص الذي آذاك.

وهنا تظهر عظمة التربية الإسلامية؛ فهي لا تطلب من الإنسان ألا يشعر بالغضب، فالغضب شعور إنساني، وإنما تربيه على ألا يتحول هذا الشعور إلى ظلم.

ليس القوي من لا يغضب، وإنما القوي من لا يسمح لغضبه أن يسلبه عقله وعدله وأخلاقه.

وقد يكون أعظم انتصار للإنسان أن يخرج من موقف استفزّه وهو ما يزال محتفظًا بأخلاقه.

ثالثًا: صلة الرحم أخلاق تُختبر داخل البيت

قد يكون الإنسان لطيفًا مع الغرباء، بشوشًا مع أصدقائه، حسن التعامل مع الناس، ولكنه في داخل أسرته سريع الغضب، قليل الصبر، كثير العتاب.

ولهذا فإن صلة الرحم ليست مجرد زيارات ومناسبات، وإنما هي اختبار حقيقي للأخلاق.

قال تعالى:

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾.

وصلة الرحم تعني أن نحافظ على جسور العلاقة، حتى عندما لا تكون العلاقة مثالية.

فليس معنى صلة الرحم أن نتفق في كل شيء، ولا أن نقبل الظلم أو الإساءة، وإنما أن نعرف كيف نضع الحدود دون أن نهدم الجسور.

وقد يحتاج الإنسان أحيانًا إلى أن يبتعد عن موقف مؤذٍ، ولكنه يستطيع أن يبقى وفيًّا للرحم، داعيًا بالخير، متجنبًا القطيعة والإساءة.

وهنا نحتاج إلى التفريق بين أمرين:

الحدود الصحية ليست قطيعة، والتسامح ليس إلغاءً للكرامة.

فالإنسان يستطيع أن يحفظ كرامته، وفي الوقت نفسه يحفظ رحمَه

والوصايا الثلاث مشروع واحد لبناء الإنسان

إذا جمعنا بين هذه المعاني الثلاثة وجدنا أنها تصنع مسارًا تربويًا متكاملًا:

مغفرة الذنب تصلح علاقتك بالله.

كظم الغيظ يصلح علاقتك بنفسك وبالناس.

صلة الرحم تصلح علاقتك بأسرتك ومجتمعك.

وكأن الرسالة تقول للإنسان:

إذا أخطأت، فلا تيأس

ارجع إلى الله.

وإذا غضبت، فلا تظلم اضبط نفسك.

وإذا اختلفت مع أهلك، فلا تقطع حافظ على الرحم.

وهذه ليست أخلاقًا مثالية بعيدة عن الحياة، بل هي أخلاق نحتاجها في البيت، وفي العمل، وفي العلاقات الاجتماعية، وفي وسائل التواصل، وفي كل موقف نختلف فيه مع الآخرين.

في زمن سرعة الغضب نحتاج إلى كظم الغيظ

نحن نعيش في زمن أصبحت فيه الكلمة تنتشر خلال ثوانٍ، والرد يأتي قبل التفكير، والخلاف البسيط قد يتحول إلى خصومة طويلة.

من خلال كلمة في رسالة، أو تعليق في وسائل التواصل، أو موقف عابر، قد يصبح سببًا في قطيعة سنوات.

ولهذا فإن كظم الغيظ اليوم ليس فضيلة فردية فقط، بل هو حماية للعلاقات والمجتمع.

قبل أن ترد وأنت غاضب، اسأل نفسك:

هل هذه الكلمة ستصلح أم ستفسد؟

هل أريد أن أنتصر للحقيقة، أم أريد فقط أن أنتصر لنفسي؟

هل سيكون ردي شيئًا أفتخر به غدًا؟

وأحيانًا يكون الصمت ليس عجزًا عن الرد، وإنما وعيًا بعواقب الرد.

صلة الرحم في زمن الانشغال

ومن أجمل صور صلة الرحم في زماننا أن نعيد اكتشاف التفاصيل الصغيرة:

اتصال بلا مناسبة.

رسالة للاطمئنان.

زيارة قصيرة.

السؤال عن مريض.

مساندة قريب في أزمة.

التغاضي عن زلة.

إدخال السرور على قلب كبير في السن.

فصلة الرحم لا تحتاج دائمًا إلى إمكانات كبيرة، وإنما تحتاج إلى قلب يتذكر.

وقد يكون شخص من أقاربك ينتظر منك كلمة، لا مالًا.

وقد يكون أحد كبار السن يحتاج إلى دقائق من وقتك أكثر مما يحتاج إلى هدية.

إن وصايا الإمام العسكري عليه السلام تعلمنا أن بناء الإنسان يبدأ من الداخل.

فلا يمكن أن نطلب مجتمعًا متسامحًا ونحن لا نستطيع أن نغفر.

ولا يمكن أن نطلب علاقات مستقرة ونحن لا نستطيع أن نكظم غضبنا.

ولا يمكن أن نتحدث عن البر وصلة الرحم ونحن نسمح لخلاف عابر أن يهدم علاقة عمرها سنوات.

وإن مغفرة الذنب تعلمنا كيف نعود إلى الله، وكظم الغيظ يعلمنا كيف ننتصر على أنفسنا، وصلة الرحم تعلمنا كيف نحفظ الإنسان في حياتنا حتى عندما تختلف معه.

وفي النهاية، قد لا يكون النجاح الحقيقي أن تنتصر في كل خلاف، ولا أن تثبت أنك على حق في كل موقف، ولا أن تجعل الآخرين يعتذرون لك دائمًا.

قد يكون النجاح الأعظم أن تخرج من الحياة وقلبك أقل حقدًا، ولسانك أقل أذى، وعلاقاتك أكثر رحمة، وصلتك بالله أعمق.

فالإيمان الذي لا يغيّر أخلاقنا مع الله، ومع أنفسنا، ومع أهلنا، يحتاج منا إلى وقفة تأمل.

نسأل الله أن يجعلنا من أهل التوبة والمغفرة، ومن الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، ومن الواصلين لأرحامهم، وأن يجعل أخلاقنا ترجمة حقيقية لما نؤمن به.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى