
يوسف الطويل
كيف نموت؟ ولماذا في تلك اللحظة؟
في الحلقة السابقة وصلنا إلى تعريف أولي للموت:
الموت هو وصول الجسد إلى نهاية غير قابلة للرجوع في قدرته على الاستمرار وعاءً للنفس؛ فتفارقه النفس، وتنتهي بذلك حياة الإنسان في هذا الجسد.
لكن هذا التعريف لم يُنهِ السؤال، بل فتح سؤالًا أصعب:
كيف يصل الإنسان إلى هذه النهاية؟ ولماذا في تلك اللحظة تحديدًا؟
يمرض إنسان فيتعافى، ويمرض آخر بالمرض نفسه فيموت. ويتعرض شخص لحادث شديد وينجو، بينما يموت آخر في حادث قد يبدو أقل خطورة. وقد يتوقف قلب إنسان ثم يعود بالإنعاش، بينما تفشل المحاولات مع إنسان آخر.
فإذا كانت الأمراض والحوادث والإصابات أسبابًا للموت، فأين يقع الأجل؟ وإذا كان الأجل مكتوبًا، فما معنى العلاج والوقاية والحذر؟ وكيف يجتمع السبب مع القضاء والقدر؟ وأين يقع ملك الموت في كل ذلك؟
ولكن قبل هذه الأسئلة كلها، بقي سؤال لم نمنحه حقه:
ما الفرق بين الجسد الحي والجسد الميت؟
الجسد نفسه… ولكن شيئًا تغيّر
عندما يموت الإنسان لا تختفي أعضاء جسده.
القلب موجود، والرئتان موجودتان، والدماغ موجود، والعضلات والجلد والعظام موجودة. بل إن بعض الخلايا والأنسجة لا تموت في اللحظة نفسها، وإنما تبقى مدة متفاوتة بعد توقف الدورة الدموية.
إذن الانتقال من الحياة إلى الموت ليس لحظة تختفي فيها مادة الجسد.
فما الذي تغيّر؟
لعل إحدى الخصائص المهمة التي تميز الجسد الحي أنه ليس مجرد مجموعة أعضاء تعمل منفردة، وإنما منظومة تحافظ على نفسها.
يُجرح الجلد فيلتئم، وينكسر العظم فيُجبر، وتدخل العدوى فيقاومها الجسم، وينخفض الضغط فتحاول أجهزة الجسم التعويض، ويفقد الإنسان جزءًا من دمه فتعمل منظومات متعددة للمحافظة على وصول الأكسجين إلى الأعضاء.
هذه القدرة على التنظيم والمقاومة والتكيف والإصلاح من أبرز خصائص الجسد الحي.
أما عند الموت فلا تتوقف كل ذرة في الجسد في لحظة واحدة، لكن الجسد يفقد قدرته المتكاملة على المحافظة على نفسه بوصفه كائنًا حيًا.
وهنا نقترب من نقطة تحدثنا عنها في الحلقة السابقة:
نقطة اللاعودة.
متى يصبح الخلل موتًا؟
الجسد يتعرض للخلل طوال حياته، ومع ذلك لا يموت في كل مرة.
قد يتوقف القلب ثم يعود، وقد يعجز الإنسان عن التنفس فتقوم الأجهزة بالتنفس عنه، وقد يفقد عضوًا ويستمر حيًا، وقد يصاب بعدوى خطرة ثم يتعافى.
إذن الخلل وحده ليس الموت.
وإنما تتراكم الأضرار أحيانًا حتى تصل المنظومة إلى مرحلة لا تعود قادرة معها على استعادة وظائفها الضرورية للحياة.
لكن هنا ينبغي أن ننتبه.
نستطيع أن نصف ما يحدث للجسد، ولكن هل نستطيع أن نقول: هذه هي اللحظة التي فارقت فيها النفس الجسد؟
لا يوجد جهاز طبي يستطيع أن يقول: النفس موجودة الآن، ثم غادرت في الثانية التالية.
فالطب يقيس القلب والدماغ والدم والأكسجين والخلايا والأعضاء. أما النفس، وفق الفرضية التي بحثناها في هذه السلسلة، فليست عضوًا ماديًا يمكن رؤيته بالأشعة أو قياسه بتحليل الدم.
وهنا نصل إلى الحد الذي يجب أن نفرق عنده بين ما نعرفه وما نفترضه.
يخبرنا القرآن:
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾
(الزمر: 42)
ونعرف طبيًا أن الجسد يمكن أن يصل إلى حالة غير قابلة للرجوع، يفقد معها قدرته على الاستمرار بوصفه جسدًا حيًا.
لكن أيهما يحدث أولًا؟
هل يصل الجسد إلى نقطة اللاعودة، فيقع الموت، ثم تفارقه النفس؟
أم تفارق النفس الجسد، فيكون ذلك هو الموت؟
أم أن الموت ومفارقة النفس عند الوفاة جانبان للحظة واحدة، نصف أحدهما بما يحدث للجسد، والآخر بما يحدث للنفس؟
هذه لا ينبغي أن نحسمها من عندنا.
فالقياس الطبي لا يستطيع تحديد لحظة مفارقة النفس، والنص الذي استندنا إليه لا يقدم ترتيبًا زمنيًا تفصيليًا يسمح لنا بأن نقول بثقة: هذا وقع أولًا، ثم وقع الآخر بعده.
بل إن التعبير القرآني نفسه يقول:
﴿يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾
ولهذا لا نملك من هذا النص وحده ما يبرر وضع فاصل زمني بين الموت والتوفي.
ومن هنا تبقى فرضيتنا في حدودها:
هناك جسد يصل إلى نهاية لا يستطيع بعدها الاستمرار في الحياة، وهناك نفس يقع عليها التوفي عند الموت.
أما كيفية التقاء الحدثين، وأيهما يسبق الآخر إن كان بينهما سبق أصلًا، فلا نملك في هذا البحث ما يكفي للجزم به.
والاعتراف بحدود ما نعرفه ليس نقصًا في الجواب، بل جزء من أمانة السؤال.
الموت والنوم مرة أخرى
لعل هذا يفسر لماذا ظل النوم حاضرًا معنا منذ بداية البحث.
فالقرآن جمع الموت والنوم في آية واحدة، وجعل التوفي واقعًا في الحالتين، ثم فرق بينهما:
﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾
(الزمر: 42)
وجاء في الحديث النبوي تشبيه النوم بالموت، كما ورد في بعض الروايات المنقولة عن الإمام محمد الباقر عليه السلام، عندما سئل: ما الموت؟ أنه شبّهه بالنوم الذي يأتي الإنسان كل ليلة، إلا أنه أطول مدة.
ولا نأخذ هذا التشبيه على أنه وصف طبي لآلية الموت، ولا نجعله دليلًا على ترتيب زمني بين مفارقة النفس والموت.
لكن أهميته بالنسبة إلى بحثنا أنه يعيدنا إلى النتيجة التي وصلنا إليها سابقًا:
النائم والميت يشتركان في وقوع التوفي على النفس، لكنهما يفترقان في النتيجة:
نفس تُرسل، ونفس تُمسك.
وهنا يظهر الأجل مرة أخرى.
السبب والأجل
يقول تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾
)آل عمران: 145(
ويقول:
﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾
(المنافقون: 11)
إذن هناك أجل، وعندما يأتي الأجل لا يتأخر.
لكن هناك أيضًا أسبابًا نراها كل يوم: مرض وعلاج، نزيف ونقل دم، حادث وإنقاذ، توقف قلب وإنعاش.
فكيف تجتمع الصورتان؟
ربما يختصر مثال واحد كثيرًا من الكلام.
عملية نجحت… ثم مات المريض
لنفترض أن إنسانًا أجرى عملية جراحية خطرة ونجحت، لكنه بقي معتمدًا لبعض الوقت على جهاز التنفس. ثم حدث عطل مفاجئ، فانقطع عنه الدعم التنفسي، ولم يصل الأكسجين إلى جسده، وتوفي.
سيقول الطبيب: مات بسبب انقطاع الأكسجين وما ترتب عليه من توقف الوظائف الحيوية.
وقد يكشف التحقيق أن هناك عطلًا فنيًا أو خطأً بشريًا كان يمكن تجنبه.
لكن أين الأجل؟
هل نقول إن العطل غيّر أجله؟ أم نقول إن العطل لا قيمة له؛ لأنه كان سيموت في اللحظة نفسها بسبب آخر؟
لا نملك ما يسمح لنا بالجزم بأي من القولين.
نعرف أن العملية نجحت، وأن انقطاع الدعم التنفسي أدى إلى سلسلة من الأحداث انتهت بالموت. لكننا لا نملك حياة أخرى للشخص نفسه نعيد فيها التجربة من دون العطل، ثم نراقب كم كان سيعيش.
وهنا يظهر الفرق بين السبب والأجل:
العطل يشرح الطريق الذي أدى إلى الموت، أما الأجل فليس سببًا طبيًا إضافيًا نضعه بجوار انقطاع الأكسجين.
وبذلك يمكن أن نقول من غير تناقض:
مات بسبب انقطاع الدعم التنفسي، ومات عند أجله.
الأولى تصف السبب الذي وقع، والثانية تتعلق بالنهاية التي انتهت عندها حياته.
هل العلاج يغيّر الأجل؟
لو اكتشف الفريق الطبي العطل في الوقت المناسب، وأعاد الجهاز إلى العمل، ونجا المريض، فهل نقول إن الطبيب أخّر أجله؟
لا نستطيع أن نقول ذلك؛ لأننا لم نكن نعرف أجله أصلًا.
كل ما نعرفه أن خطرًا وقع، وأن تدخلًا طبيًا منع هذا الخطر من الوصول بالجسد إلى الموت.
وهذا ما نفعله طوال حياتنا: نتداوى عندما نمرض، ونوقف النزيف، ونعالج العدوى، ونبتعد عن الخطر.
والطب يستطيع أن يبين أن علاجًا أو سلوكًا معينًا يخفض خطر الوفاة أو يزيد فرص البقاء، لكنه لا يستطيع أن يقول: كان أجل فلان يوم الثلاثاء، فأخذ الدواء فأصبح يوم الجمعة.
فالأجل ليس رقمًا طبيًا كان معلومًا لنا ثم شاهدنا العلاج يغيره.
ولهذا ربما كان السؤال: هل العلاج يطيل الأجل؟ غير دقيق من الأصل.
والأدق:
هل العلاج يستطيع أن يمنع سببًا من الوصول بالإنسان إلى الموت؟
والواقع يقول: نعم.
فأين القضاء والقدر؟
إذا كان كل شيء يجري بقضاء الله وقدره، فهل تصبح الأسباب بلا قيمة؟
إذا كان توقف جهاز التنفس نتيجة إهمال شخص، فإن قولنا إن المريض مات عند أجله لا يلغي مسؤولية المقصر. وإذا أنقذه الطبيب، فإن الإيمان بالقضاء والقدر لا يلغي قيمة العلاج.
نحن نجوع فنأكل، ونعطش فنشرب، ونمرض فنتداوى، ونرى الخطر فنتجنبه.
فلماذا نجعل العلاج في مواجهة الأجل؟
ربما كان الخلل في تصورنا أن القضاء والقدر يقعان بدل الأسباب، بينما نحن نعيش في عالم تجري أحداثه من خلال الأسباب.
وهذا البحث لا يدعي أنه يحل مسألة القضاء والقدر بكل أبعادها؛ فتلك قضية أوسع من سؤالنا.
وما نحتاجه هنا فقط هو ألا نجعل الإيمان بالأجل سببًا لإلغاء السببية أو المسؤولية الإنسانية.
وماذا عن القتل؟
هنا يصبح السؤال أكثر حدة.
أطلق إنسان النار على آخر فقتله.
من الذي أنهى حياته؟
القاتل؟ أم الأجل؟
ربما يكون الخطأ في السؤال نفسه.
فالقاتل قام بفعل حقيقي تسبب في الموت، ولذلك يتحمل مسؤولية فعله.
وفي الوقت نفسه يقول تعالى في سياق أُحد:
﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾
(آل عمران: 154)
لكن لو لم يقتله القاتل، هل كان سيموت في اللحظة نفسها بسبب آخر؟
الجواب الأمين: لا نعرف.
لأننا نحاول وصف حدث لم يقع.
الذي نعرفه هو ما وقع: هناك فعل أدى إلى الموت، وهناك فاعل مسؤول عن فعله، وانتهت حياة المقتول عند ذلك الأجل.
أما أن نخترع له سبب وفاة آخر، ثم نقول إنه كان سيقع حتمًا في اللحظة نفسها، فهذا شيء لا نملك دليلًا عليه.
وأين ملك الموت؟
إذا كان المرض والحادث والنزيف والقتل أسبابًا، فأين يقع ملك الموت؟
يقول تعالى:
﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾
(السجدة: 11)
ويقول:
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾
(الأنعام: 61)
وفي الآية التي رافقتنا خلال هذه السلسلة:
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾
(الزمر: 42)
مرة ينسب التوفي إلى الله، ومرة إلى ملك الموت، ومرة إلى رسل.
ولا يلزم من ذلك أن تكون أمامنا أحداث متعارضة؛ فالحدث الواحد يمكن أن ينسب إلى الله أمرًا وتدبيرًا، وإلى الملك الموكل به، وإلى الرسل القائمين به.
لكن الأهم في بحثنا شيء آخر:
ملك الموت ليس سببًا طبيًا ينافس المرض أو النزيف أو الحادث.
فلا معنى لأن نقول: هل مات بسبب النزيف، أم لأن ملك الموت توفاه؟
النزيف يصف ما حدث للجسد، والتوفي يصف ما يخبرنا النص أنه يقع للنفس.
وهنا، مرة أخرى، ينبغي ألا نتجاوز ما نملكه من دليل فنقرر من عندنا ترتيبًا زمنيًا تفصيليًا بين الاثنين.
كيف نموت إذن؟
الآن نستطيع أن نضع الصورة أمامنا كاملة.
يتعرض الجسد طوال حياته للأسباب: مرض، إصابة، نزيف، خلل في عضو، تقدم في العمر، أو غير ذلك.
والجسد الحي لا يستقبل الضرر ساكنًا؛ إنه يقاوم، ويعوض، ويتكيف، ويصلح ما يستطيع إصلاحه.
وقد يتدخل الطب لمساعدته: دواء، جراحة، نقل دم، إنعاش، أو جهاز تنفس.
فإذا استطاعت هذه المنظومة استعادة توازنها استمرت الحياة.
أما إذا تجاوز الضرر قدرتها على الإصلاح والتعويض، ووصل الجسد إلى حالة غير قابلة للرجوع، فقد وصلنا إلى الحد الذي يستطيع الطب وصفه.
وهنا أيضًا يقع الموت والتوفي بحسب النصوص التي بحثناها.
لكن كيف تلتقي نقطة اللاعودة الجسدية مع الموت ومفارقة النفس والتوفي؟
هنا يجب أن نبقى أمناء لما وصلنا إليه:
لا نعرف على وجه التفصيل.
لا نملك أداة طبية تقيس مفارقة النفس، ولا نملك من النصوص التي اعتمدنا عليها ترتيبًا زمنيًا تفصيليًا يسمح لنا بأن نقول:
الجسد توقف أولًا، ثم فارقت النفس.
أو:
النفس فارقت أولًا، ثم توقف الجسد.
أو حتى أن هناك فاصلًا زمنيًا بينهما أصلًا.
وكل ما نستطيع قوله هو أن هذه العناصر تلتقي عند الحد الذي نسميه:
الموت.
ماذا عرفنا بعد أربع حلقات؟
بدأت هذه السلسلة بسؤال ظننته في البداية بسيطًا:
ما هو الموت؟
لكن السؤال قادنا إلى الحياة، ومنها إلى الجسد والروح والنفس، ثم إلى الوفاة والنوم، قبل أن يعيدنا إلى الموت والأسباب والأجل والقضاء والقدر وملك الموت.
وبعد هذه الرحلة استطعنا أن نفصل بين أشياء كنا نجمعها أحيانًا في كلمة واحدة.
عرفنا أن الموت والوفاة ليسا مترادفين ترادفًا تامًا؛ لأن الوفاة تقع كذلك في النوم.
وعرفنا أن المرض والحادث والنزيف والقتل تجيب عن سؤال:
بماذا مات؟
لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال:
ما الموت؟
وعرفنا أن الأجل لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن الأسباب، ولا إلى حجة لإلغاء العلاج أو المسؤولية.
كما عرفنا أن الطب يستطيع أن يصف ما يحدث للجسد، لكنه لا يستطيع بأدواته المادية أن يقيس النفس أو لحظة مفارقتها. وفي المقابل يخبرنا النص عن النفس والتوفي والأجل، لكنه لا يقدم لنا وصفًا لوظائف القلب والدماغ.
ولذلك كان من الخطأ أن نطلب من أحد المجالين أن يؤدي وظيفة الآخر.
إذن… ما الموت؟
بعد أربع حلقات يمكننا أن نعيد صياغة فرضيتنا الأخيرة بصورة أكثر حذرًا:
الموت هو الحد الذي تنتهي عنده قدرة الجسد، بصورة غير قابلة للرجوع، على الاستمرار بوصفه جسدًا إنسانيًا حيًا مرتبطًا بالنفس؛ وعند هذا الحد يقع ما يسميه القرآن موت النفس وتوفيها. أما الكيفية الدقيقة التي تلتقي بها نهاية الجسد مع مفارقة النفس والتوفي، وترتيب هذه الأحداث إن كان بينها ترتيب أصلًا، فلا نملك ما يكفي للجزم به.
وربما تكون هذه الجملة الأخيرة أهم من التعريف نفسه.
لأننا بدأنا هذا البحث ونحن نريد أن نعرف:
ما الموت؟
وانتهينا إلى أننا نستطيع أن نقترب كثيرًا من حدوده، وأن نميز بين مفاهيمه، وأن نصف ما يحدث للجسد، وأن نقرأ ما يقوله النص عن النفس والتوفي والأجل…
لكن تبقى لحظة في المنتصف لا يستطيع جهاز أن يصورها لنا، ولا ينبغي لنا أن نملأها بافتراض من عندنا ثم نسميه حقيقة.
وربما كان هذا هو الحد الفاصل بين البحث والتخمين.
لقد عرفنا أكثر مما كنا نعرفه عندما بدأنا.
لكننا عرفنا أيضًا أين ينبغي أن نقول:
لا نعرف.
وهذه ليست نهاية السؤال.
إنها ربما أكثر إجابة أمينة وصلنا إليها في رحلة البحث عن:
ما هو الموت؟
أما الموت نفسه ……
فربما بقي أكثر من أن تختصره إجابة واحدة…..
تمت السلسلة.





