أقلام

حوالة داخلية واردة

قصي المؤمن

قال تعالى وهو أبلغ القائلين:

(وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) الاسراء ٢٩

وقال: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ).

في خضم تقلبات الوقت تبقى مسألة إدخار المادة بين مد وجزر، من حيث غلاء المعيشة ومن حيث متطلبات الأسرة. فالإنسان بين ضغطين: ضغط الحاجة التي لا تنتهي، وضغط الرغبة التي لا تشبع. وكلما دخلت عليه ((حوالة داخلية واردة)) ظن أنها نهاية القلق، فإذا بها بداية دورة صرف جديدة، لأن المشكلة ليست في قلة الوارد بل في سعة المنافذ.

ولو وقفنا مع توجيه للإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة لوجدناه ترجمانًا للآية وميزانًا دقيقًا لهذه القضية:

(فَدَعِ الاْسْرافَ مُقْتَصِدًا، وَاذْكُرْ فِي الْيَوْمِ غَدًا، وَأَمْسِكْ مِنَ الْمالِ بِقَدْرِ ضَرُورَتِكَ، وَقَدِّمِ الْفَضْلَ لِيَوْمِ حاجَتِكَ، أَتَرْجُو أَنْ يُعْطِيَكَ اللّهُ أَجْرَ الْمُتَواضِعِينَ وَأَنْتَ عِنْدَهُ مِنَ الْمُتَكَبِّرِينَ؟)

هذا النص ليس موعظة زهد، بل هو نظرية اقتصادية وأخلاقية. فهو لا يدعو للبخل ولا يذم الصرف بل يدعو للقوام ، وهو قوله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) ٦٧ الفرقان

أولًا: لماذا نسرف؟ في الفلسفة والاقتصاد:

إقبال الناس على الإسراف اليوم ليس كسلًا، بل ثقافة صُنعت.

فسره الفيلسوف أرسطو قديمًا بنظرية الوسط الذهبي: الفضيلة وسط بين رذيلتين. فالكرم وسط بين الإسراف والبخل. والإمام حين قال (دع الإسراف مقتصدًا) وضَعَنا في قلب هذا الوسط .

وفسره فيلسوف آخر بقوله: ليس الفقير من يملك القليل، بل من يشتهي الكثير. فالمشكلة ليست في قلة الحوالات، بل في اتساع الشهوات.

وكشفه عالم الاجتماع ثورستين فيبلن بنظرية (الاستهلاك الاستعراضي) وهي أننا لا نشتري السلعة لمنفعتها، بل لما ترسله من إشارة اجتماعية. نشتري لنقول للناس (نحن نستطيع) وهذا هو التكبر المتنكر في فاتورة، وهو ما عناه الإمام بقوله (وأنت عنده من المتكبرين).

ثم جاء بعض الفلاسفة ليصف عصرنا بـالحداثة السائلة، حيث المال سائل يأتي ويذهب بلمسة، والرغبات سائلة لا تثبت، فكيف يدخر إنسان يعيش في عالم لا يثبت فيه شيء.

ثانيًا: أين يقع البذخ المذموم؟

وهنا يجب أن يضع الإنسان نفسه موضع المقتصد الذي ينظر بعينين معًا: بعين الله، وبعين الاقتصاد، ويضع الأيام القادمة نصب عينيه.

١- في الزواجات:

حولنا الزواج من آية مودة ورحمة إلى مشروع إفلاس. قاعة بعشرات الآلاف، وتصوير بمبالغ خيالية، وولائم يُرمى نصفها، وذهب للمباهاة لا للزينة.

بعين الله: (أكثرهن بركة أقلهن مؤونة) فالبركة تُنزع من زواج بدأ بالدين.

وبعين الاقتصاد: شاب يبدأ حياته بحوالة سالبة – دين – -زواج – فيدخل بيت الزوجية وهو مثقل بهم سنتين ثمن ليلة واحدة كمثال. المقتصد هو من يكرم الضيف دون تبذير، ويفرح دون ديون

٢ -في السفر والترفيه:

لا بأس في السفر ، ولا بأس في الصرف فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده لكن البذخ المذموم أن نسافر لنصور لا لنرتاح وأن نحجز الأغلى لأجل الصورة. هنا يغيب مبدأ (واذكر في اليوم غدًا) فمن يصرف راتبين لأجل أسبوع، سيعود ليقضي شهرين في هم. المقتصد يسأل: هل أمّنت مستلزمات بيتي ومدرسة أبنائي وادخار طوارئي؟ فإن أمّنت، فتمتع بما بقي حلالًا طيبًا.

٣- في المقاهي ومظاهر الشباب والفتيات:

وهذا بذخ العصر الجديد، وهو أخطرها لأنه يومي متكرر.

يا معشر الشباب والفتيات لا بأس في شرب القهوة، فالمقهى صار مجلسًا ومكان راحة في بعض الأحيان، ولكن البذخ أن تتحول القهوة من مزاج إلى مزايدة. شاب يشتري قهوة بـ ٢٠ ريالًا كل يوم ، وفتاة تشتري مشروبًا وحلوى بـ ٤٠ ريالاً لأجل الترند .

بعين الاقتصاد: كوب واحد بـ ٢٥ ريالاً يوميًّا = ٧٥٠ في الشهر = ٩٠٠٠ ريال في السنة . تسعة آلاف ريال بإمكانها ان تكون رسوم دورة تدريبية، أو جزءًا من مهر، أو دعم لمشروع …إلخ، (٩٠٠٠ ريال ذهبت رغوة في كوب) نعم يجب أن تكون رؤيتنا بهذه الدقة.

بعين الله: هذا هو ما يسميه جان بودريار (الاستهلاك الرمزي) نحن لا نشتري البن، بل نشتري الشعار على الكوب، ونشتري الصورة ونحن نحمله. نسأل أنفسنا: هل أشربها أم أصورها؟ فإن كنا نصورها أكثر مما نشربها، فنحن ندفع ثمن تكبرنا لا ثمن قهوتنا.

الفتاة المقتصدة ليست بخيلة، بل هي مدبرة بيت سيُبنى على كتفيها. والشاب المقتصد ليس فقيرًا، بل هو رجل يذكر في اليوم غدًا، وغده زواج وبيت وأبناء.

الخاتمة: الميزان ديننا لا يدعو للبخل فيقتل المروءة، ولا يدعو للإسراف فيقتل الكرامة. ميزانه (قوامًا).

فلا بأس في الصرف، ولا بأس في الادخار. أمسك بقدر ضرورتك، وهذا حق يومك، وقدم الفضل ليوم حاجتك، وهذا حق غدك.

اجعل لكل حوالة واردة ثلاث حصص: ثلث لضرورة يومك، وثلث لفضل غدك تدخره، وثلث لفضل آخرتك تقدمه للضعيف والأرملة أو في مجال استثماري مع رب العزة والجلال في أوجه الخير.

وبهذا تنظر بعين الله فلا تسرف، وبعين الاقتصاد فلا تقتر، وتذكر في اليوم غدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds