
السيد جواد العبدالمحسن
في زحام الحياة وضجيج الأحلام، قد ينسى الإنسان نفسه قليلًا.. يغترّ بما أوتي من علم، أو يزهو بما جمع من مال، أو يتورط في أوهام العظمة وكأن الأرض تدور من أجله وحدَه.
وللغرور اليوم أشكالٌ معاصرة ومستحدثة؛ تارة يطلّ برأسه من خلف شاشات الهواتف عبر هوس تتبع المشاهدات والتعالي على الناس بالمظهر أو المنصب، وتارة يظهر في الاستخفاف بآراء الآخرين، أو ظن المرء أنه استغنى بعقله وماله عن النصيحة والسؤال، وكأن النجاح صنيعة يديه وحده .
لكن الحكمة الحقيقية، والسلام العميق، لا يبدآن إلا حين يقف الإنسان أمام مرآة روحه، ويسأل بصدق : من أنا؟
حين يمعن النظر في الكون الواسع.. النجوم السابحة في المدى، المجرات البعيدة، وتلك التفاصيل الدقيقة التي تعجز الأبصار عن إحصائها، يدرك كم هو كائن صغير في هذا الوجود الهائل.
هنا فقط، يسقط قناع التكبر، ويولد ذلك الإدراك الواعي بأن معرفة الحجم ليست انتقاصًا من القدر، بل هي أسمى درجات الاتزان.
الإنسان مهما علا شأنه يظل عابر سبيل؛ وُجد من العدم، وسيعود إلى التراب.
معرفة الحجم الحقيقي تعني أن تدرك أنك لست محور الكون، وأن قوتك مستمدة من ضعف، وغناك مستمد من فقر إلى خالقك.
هي أن تعرف أين تبدأ قدراتك وأين تنتهي، فلا تدعي علمًا بكل شيء، ولا تظن أنك تملك مفاتيح الأرزاق والقلوب.
إن التواضع ليس ضعفًا، بل هو درع يحمي النفس من مطبات الغرور.
والتواضع الحقيقي اليوم لا يقتصر على الكلمات، بل يتمثل في مواقف عملية؛ كإنسان ذي جاهٍ ينصت للبسيط باهتمام، أو مسؤول يتقبل النقد بصدر رحب، أو عالم لا يأنف من تعلم مسألة من أصغر الناس سنًا، أو صاحب ثروة يتعامل مع نعيم الله بلين ورحمة دون استعراض أو تعالي.
وحين يعرف الإنسان حجمه الحقيقي، يهدأ قلبه؛ فلا تحرقه خسارة دنيوية زائلة، ولا يفسده نجاح عابر، بل يعيش ببساطة وامتنان، مدركًا أن قيمته الحقيقية تكمن في نقاء سريرته، وأثره الطيب، وعبوديته الصادقة لمن خلقه .
وهكذا، تتلخص رحلة العمر كلها في هذه اللحظة؛ فمن عرف حجمه الحقيقي، هان عليه كل ما سوى الله، واستراحت روحه من أثقال التكلف، ليمضي في هذه الحياة بهدوء الواثق، وسلام المتواضع، مطمئنًا إلى أن عظمته الحقيقية لا تكمن في حجم ما يملك، بل في مدى قربه وانكساره }الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ{ سورة الانفطار، الآيات 7.





