
د. حجي الزويد
تبدأ التربية الواعية من الرغبة في فهم الطفل: كيف ينمو؟ وماذا يحتاج؟ ولماذا يتصرف بهذه الطريقة؟ وكيف تترك تفاصيل الحياة اليومية آثارها في شخصيته ومشاعره وقدرته على التعلم؟ ومن هذه الأسئلة يستمد كتاب «أسرار التربية» للمهندس عدنان الحاجي فكرته، إذ يجعل المعرفة مدخلًا إلى علاقة أكثر فهمًا وقربًا بين الوالدين وأطفالهما.
صدر الكتاب عن دار المتنبي للطباعة والنشر، وهو الإصدار الحادي والعشرون في مسيرة المهندس الحاجي، ويضم 637 صفحة موزعة على سبعة أبواب. ويجمع بين دفتيه دراسات وموضوعات حديثة تتناول التربية ونمو الطفل، بما يتيح للقارئ الاطلاع على معارف بحثية تتصل مباشرة بتجربته الأسرية وأسئلته اليومية.
ينطلق الكتاب من إدراك أن الأطفال يختلفون في طباعهم واستعداداتهم واحتياجاتهم، وأن الموقف التربوي يحتاج إلى فهم سياقه قبل اختيار طريقة التعامل معه. ولهذا، تتجه موضوعاته إلى توسيع وعي الوالدين بالعوامل المؤثرة في سلوك الطفل، ومساعدتهما على التمييز بين النصائح الشائعة وما يستند إلى البحث العلمي، مع مراعاة خصوصية كل طفل وكل أسرة.
تبدأ رحلة الكتاب من مرحلة الرضاعة، حيث يناقش الباب الأول الرضاعة الطبيعية والصناعية وما يرتبط بهما من جوانب صحية ونمائية. ويمتد إلى التفاعل المبكر بين الأم ورضيعها، والتواصل الجسدي ورابطة الوالدية، وأهمية حضور الأب ودعمه للأم في رعاية الطفل. إنها البداية التي تتشكل فيها علاقة الصغير بمن حوله، وتتداخل فيها الرعاية الجسدية مع الاستجابة العاطفية.
وفي الباب الثاني، ينتقل الاهتمام إلى بناء شخصية الطفل ومهاراته العاطفية والاجتماعية، من خلال موضوعات التنظيم الذاتي والثقة بالنفس والانتباه المشترك والتربية الإيجابية واللطيفة. كما يناقش أساليب التأديب ودور الفكاهة في العلاقة الأسرية، ويتناول سلوكيات قد تربك الوالدين، كالكذب والغضب والعض والضرب والركل والإخلال بالوعود، واضعًا هذه التحديات ضمن مساحة أوسع للفهم والتعامل الواعي.
أما الباب الثالث، فيتوقف عند المناخ الأسري الذي يعيش فيه الطفل، وما تتركه العلاقة بين الوالدين من آثار في نموه وحياته. ويتناول الخلافات الزوجية والعنف الأسري والتربية القاسية وسوء المعاملة، وكذلك تبعات إقحام الطفل في النزاع بين أبويه أو استخدامه للضغط على أحدهما. ويطرح أيضًا قضايا تتعلق بخصوصية الطفل وجمع البيانات الرقمية عن حياته.
ويوسع الباب الرابع دائرة النظر إلى صحة الطفل والعوامل المؤثرة في نموه؛ فيبحث موضوعات تبدأ باكتئاب الأم والتدخين أثناء الحمل، وتشمل النوم والغفوات والوزن والتجفاف والضوضاء وسلوكيات الأكل، إلى جانب تعدد الألعاب وتجارب الطفولة السلبية والحالة المزاجية.
ويخصص الباب الخامس مساحة لموهبة الطفل وفضوله، وكيفية رعايتهما وتحويل الاهتمام إلى فرصة للنمو الإدراكي والعاطفي. كما يناقش مشاركة الوالدين في الواجبات المنزلية وعلاقتها بالتحصيل الدراسي، ويتناول مشكلة السعي إلى الكمال لدى الطلاب.
وفي مواجهة الأسئلة التي يفرضها العصر الرقمي، يبحث الباب السادس علاقة الأطفال بالهواتف الذكية وألعاب الفيديو ووسائل التواصل الاجتماعي، وصلتها بالنوم والصحة النفسية والتعلم والمهارات الاجتماعية وتنظيم الانفعالات، مع تناول سبل تنمية الوعي باستخدام التكنولوجيا.
وتختتم أبواب الكتاب بالقراءة، بوصفها مساحة لتنمية الخيال واللغة والفهم. ويناقش الباب السابع الفروق بين الكتب الورقية والإلكترونية وتأثيراتها المحتملة، ويقدم أفكارًا عملية لتشجيع الأطفال الذين لا يميلون إلى القراءة.
وقد شارك في تقديم الكتاب الدكتور إبراهيم عبد الكريم الحسين، الخبير الإقليمي في جودة وتميز التعليم المبكر بمركز اليونسكو الإقليمي للجودة والتميز في التعليم، والأستاذة نادية بنت فهد السيف، الخبيرة في الطفولة ومرشدة الرضاعة الطبيعية والباحثة في دكتوراه الفلسفة في الإدارة التربوية.
بهذا التنوع، يفتح «أسرار التربية» أمام الأسرة أبوابًا للتأمل في ممارساتها اليومية، ويعيد توجيه الاهتمام إلى الطفل نفسه: احتياجاته ومشاعره واستعداداته. فالمعرفة تمنح الوالدين فرصة للتريث، وطرح أسئلة أدق، واتخاذ قرارات أكثر وعيًا؛ ومن هذا الفهم تنمو تربية أكثر رحمة واتزانًا.





