أقلام

بصمة وبسمة (الحلقة الأولى)

أمير الصالح

تمهيد

«وإنَّما المَرءُ حَدِيثٌ بَعْدَهُ. فَكُن حَديثًا حَسَنًا لِمَن وَعَى»، وهو من مقصورة الشاعر اللغوي المشهور ابن دريد الأزدي.

(إنّما المرء بأصغريه لسانه وقلبه)، الإمام علي بن أبي طالب (ع).

أحلام تحققت وبعضها لم يتحقق بعد

حلمنا ونحن صغار أن نلتحق بالمدرسة، فدخلنا بحمد الله المدرسة. كبرنا وحلمنا أن نتخرج من المرحلة الثانوية بمعدل مرتفع، فتحقق الحلم بفضل الله.

وحلمنا أن ندخل الجامعة الفلانية المميزة، فسهل الله وتم قبولنا بالجامعة، فحلمنا بالتخرج من تلكم الجامعة، وسهل الله وتخرجنا. فحلمنا أن نلتحق بشركة كبيرة مرموقة بسوق العمل فاستجاب الله لدعاء الوالدين، والتحقنا بشركة مرموقة. فحلمنا بأن يرزقنا الله بالزوجة الصالحة والذرية الطيبة فاسبغ الله نعمه فتزوجنا ووهبنا الله ذلك كله فالحمد لله. فحلمنا بامتلاك البيت والسيارة فتحقق الحلم برحمة الله وتوفيقه.

كانت الأحلام تداهمنا منذ الصغر وحتى الكهولة، حلمنا ونحن أطفال صغار بامتلاك لعبة بسيطة أو تناول وجبة مميزة في مطعم فاخر بمدينتنا. وكبرنا وكبرت أحلامنا فصرنا نحلم بإكمال الدراسات العليا فأكملنا ولله الحمد. وحلمنا أن نساهم في المساهمة بوجوه الخير والبر والصدقة للفقراء والإحسان للمحتاجين فوفقنا بحمد الله. والآن تراود بعضنا أحلام بأن يكون / نكون من أصحاب الثروات وملاك العقارات والشركات الدولية العابرة للقارات. إلا أن أعمار غالبية أبناء جيلنا تجاوزت الستين عاما . فأدركنا أن أحلامنا حتمًا لم ولن تتوقف لأن طمعنا بالمزيد من كرم الله لم ولن يتوقف. ولكن هل تحققت السعادة في قلوب الغالبية ممن تحققت أحلامهم أم أن بزوغ نشوة فرح عابرة سرعان ما تخفت ويتوالد حلم أكبر من سابقه!!

ونطرح سؤال: هل خُلقنا فقط للسعي الدؤوب نحو تحقيق أحلام تعلو أسقفها يومًا بعد يوم والعمر يمضي بأسرع منها ؟!! وهل المزيد من الاحلام هو كل ما نريده في هذه الحياة؟؟ وهل نحن اتينا للحياة لنأكل ونشرب ونتناسل ونتكاثر ونتفاخر ونملك دور ونتنقل ضمن أطر أحلام فردية ؟! وهل نحن بهذا المفهوم عن الحياة نختلف عن أقوام مضوا دون تلمس السعادة في مسيرة حياتهم؟؟

الحوار

يعيش غالبية بني البشر حياة يعتليها الكبد والمعاناة والسعي الحثيث لتحقيق أحلام كلاسيكية (كالحصول على ظيفة وامتلاك منزل وسيارة) ومتنقله بأحلامهم من حلم إلى أخر بعنوان إنجازات دنيوية حتى يصلوا إلى مثواهم الاخير؛ والمراقب الموضوعي لكامل المشهد لحياة معظم بني البشر سيراها حياة نمطية وسيناريو مكرر حد الممل، وأن السعادة بالمفهوم المادي فيها اشبه بنشوة عابرة أو صخب عابر بسيط سرعان ما ينطفئ. ولكنهم، أي غالبية البشر، لم يحققوا حقيقة السعادة الدائمة في حياتهم وإنما سعى الاغلب خلف عناوين مختلفة أملًا في تحقيق السعادة الأبدية. وكلما جروا أكثر كلما اكتشفوا أنهم جروا نحو سراب.إذا هناك خلل ولاوبد من معالجته عبر غرس أو تصحيح مفاهيم معينة وتفعيلها في حياة الأنسان لتكون رحلته إلى الله جل جلاله في الحياة الدنيا جميله وثمرتها نيل الفردوس الأعلى من الجنه في الآخرة. فحين ذاك الله بكرمه سيهبه سعادة الدنيا وسيعيش فعلًا جنة الدنيا قبل أن الانتقال إلى جنة الأخرة.

أهداف وخطط

وللوصول لتحقيق السعادة الحقيقية، ينصح بعض العقلاء بما يلي:

اجعل لك أهدافًا بمختلف المجالات

منها المهنية والمالية والصحية والرياضية والثقافية والأجتماعية والأسرية تتناسب ومرحلتك العمرية. وأعلم أن وجود الأهداف القابلة للتحقيق في حياتنا يجعل للحياة معنى ونكهة أفضل ومحفزات ويبث الحيوية في داخل الإنسان.

٢- عش بتوازن

رسول الله (ص) يقول:

(وإن لربك عليك حقًّا ولِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَق حَقَّهُ).

٣-تبن لنفسك رسالة بالحياة واربطها بالله تعالى وأتقي الله بكل

شؤؤن حياتك واستذكر نعم الله عليك بشكل دائم وأحسن الظن بالله وأعلم أنك أن أرضيت الله تعالى بطاعته فأنه سوف يرضيك بما قسمه لك من جهه وسوف يغنيك ويكفيك

٣- عش ضمن يومك الذي أنت فيه

ولا تحزن على الماضي ولا تحمل هم المسقبل بشكل مفرط، وكلنا تحت رحمة رب عظيم كريم غفور، فما دمنا بقربه سنشعر بالرحمة وبالأمان والقوة والسعادة.

الكل سوف يرحل وسنترك خلفنا ذكريات مع أهلنا والمجتمع والناس

الذين عشنا بينهم ومعهم كما ترك السابقون من ذكريات. وصدق أمير المؤمنين الأمام علي (ع) عندما قال: “أنما المرء حديثا بعده فكن حديثًا جميلًا لمن روى” .نحن زوار وضيوف على هذه الحياة القصيرة فلنترك خلفنا بصمة وبسمة.

تأمل

قال الله تعالى في حديثه القدسي: يا أبن أدم خلقتك لأجلي وخلقت الأشياء لأجلك فلا تنشغل بألذي خُلق لأجلك عن الشيء الذي خلقتك لأجله.

ولذا عندما يقول أحد المفكرين الأصيلين إن عليك أن تدرب نفسك على التفكير الأيجابي أي درب نفسك على التعلق بما عند الله وليس التعلق بما عند ايدي الناس فإن ذلك يخلق الرضا والاطمئنان والراحة والسعادة. ولذلك نرى القليل من الناس يضع خيارات الله تعالى له على أنها هي الأفضل لسعادته بالدنيا والآخرة.

هناك أقوال ثلاثة أوردها للتدارس والتفعيل:

١- أقداركم تؤخذ من أفواهكم

٢- من تمارض مَرِض، ومن تفاقر افتقر، ومن تذلل ذُل، ومن تهاون هان، ومن اعتز عز، ومن استحصن حُصن، ومن استعصم عُصم

٣- كل متوقعٍ آت.

أي أن تغذية النفس وتدريبها على التفكير الأيجابي التحفيزي بالأفكار والأقوال والتخاطر والحديث مع النفس بشكل إيجابي أمر محمود العواقب. وكذلك كثرة قول الحمد لله على نعمه مثل الصحة والعافية والكرامة وللبصر والأمن والأمان وتمام الخلقة والستر بدل ادعاء الفقر لمن اعطاه الله النعم أمر واجب؛ فإن من يكرر ادعاء الفقر وادعاء الضعف وكثرة الشكوى بادعاء الملل والضجر، سيصبح كذلك يومًا ما، وأن ما نتوقعه اليوم سيصبح واقعًا غدًا وإن طال الزمن. فالشخص حصيلة ما تمليه على نفسه من أقوال وهواجس وأفكار.

إذا أمد الله عمرك وأنت بصحة وعافية، ما هو حلمك بعد السبعين؟!

هذا الطرح سنسلط الضوء عليه في قادم الحلقات من سلسلة “بسمة وبصمة”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds