أقلام

كيف نعيش الدنيا؟

محفوظ الزويد

ليس أصعب ما في الدنيا أن نعيش فيها، بل أن نعرف كيف نعيشها.

فهي تمنح الإنسان ما يحتاج إليه ليبني حياته: رزقًا يسعى إليه، وبيتًا يأوي إليه، ومالًا ينتفع به، وأسرةً يسكن إليها، وأعمالًا يترك بها أثره.

لكنها في الوقت نفسه تختبره بكل ما تمنحه؛ فقد يتحول الرزق إلى طمع، والقدرة إلى استعلاء، والنعمة إلى غفلة، والعمل إلى انشغال يستهلك العمر دون أن يمنح الحياة معناها.

ولهذا لم يكن السؤال في الرؤية الإسلامية: هل نعيش الدنيا أم نتركها؟ وإنما: ما مَوْقِعُ الدنيا في حياتنا؟

إنها ليست عدوًّا ينبغي الفرار منه، ولا غايةً ينبغي الاستسلام لها؛ إنها مَيْدانٌ يَعْمَلُ فيه الإنسان، ويَخْتَبِرُ فيه اختياراته، ويَكْشِفُ من خلاله عن حقيقة قِيَمِه.

ولكن الإنسان البصير لا يقف عند ظاهرها؛ وكما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: « إِنَّ اَلدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا وَدَارُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا وَدَارُ غِنًى لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا وَدَارُ مَوْعِظَةٍ لِمَنِ اِتَّعَظَ بِهَا” نهج البلاغة، ج4 خ131

وقد عبّر أمير المؤمنين عليّ عليه السلام في موقع آخر بقوله: ” الدُّنيا دَارُ مَمرٍّ لا دَارُ مَقَرٍّ وَالنَّاسُ فِيهَا رَجُلَانِ رَجُلٌ بَاعَ فِيهَا نَفسَهُ فأوبقَها ورجُلٌ ابتاعَ نَفسَهُ فأَعتقَها”. فالمشكلة ليست في أن نمرّ بها، وإنما في أن ننسى أننا عابرون، فنحوّل الطريق إلى غاية، والوسيلة إلى مقصد.

فكيف ينبغي أن نعيش الدنيا إذن؟ وكيف نوازن بين الانتفاع بها والتحرر من أسرها؟ ومتى تكون النعمة وسيلةً للكمال، ومتى تتحول إلى فتنة؟

هذه هي الأسئلة التي تكشف أن علاقتنا بالدنيا ليست شأنًا اقتصاديًا فحسب، بل جزءٌ من بناء الإنسان نفسه.

الدنيا مرحلة لا غاية

لا يقدم القرآن الدنيا بوصفها شيئًا لا قيمة له، ولا يدعو إلى ترك العمل والعمران، وإنما يحذر من أن تتحول متاعبها وزينتها إلى غاية تستولي على الإنسان. قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الحديد: 20].

فالمشكلة ليست في المال والزينة، وإنما في أن يتحول الإنسان من مالك لها إلى أسير لها. ولهذا يقول تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]؛ أي إن خطرها أن تُنسي الإنسان محدوديتها وفناءها، فيعامل العابر كأنه دائم.

وهذا المعنى عبّر عنه أمير المؤمنين عليّ عليه السلام بقوله: «الدنيا دارُ ممرٍّ لا دارُ مقرّ، والناسُ فيها رجلان: رجلٌ باع فيها نفسه فأوبقها، ورجلٌ ابتاع نفسه فأعتقها». فليست الحكمة في أن نهجر الدنيا، بل في ألا نجعلها موطننا الأخير.

الدنيا ميدان للعمل والابتلاء

ومع ذلك، فالإنسان لا يستطيع أن يعيش خارج الدنيا؛ فيها يعمل، ويكسب، ويتزوج، ويبني، وينتج، ويعيل أسرته، ويخدم مجتمعه. والقرآن لا يلغي هذه الحياة، بل يمنحها غايتها: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2].

فالمال أحد ميادين الاختبار: في كيفية اكتسابه، وطريقة إنفاقه، وموقف الإنسان من حاجات الآخرين، وقدرته على مقاومة الإسراف والطمع والتفاخر. وقد يكون الغنى ابتلاءً كما يكون الفقر ابتلاءً؛ لأن السؤال ليس فقط: كم تملك؟ بل: ماذا صنعت بما تملك؟

المال نعمة… متى يصبح فتنة؟

يقرر القرآن بوضوح أن المال ليس مذمومًا في ذاته: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 46]، كما يقول: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32].

إذن، ليست القضية: هل نملك؟ بل: كيف نملك، ولماذا نملك، وماذا نفعل بما نملك؟

يمكن للمال أن يعين على إعالة الأسرة، وبناء المشاريع، وتحصيل العلم، وإغاثة المحتاج، وتحقيق الاستقلال والكرامة. لكنه قد يتحول أيضًا إلى وسيلة للتفاخر والاستعلاء والاستعباد النفسي. ويبدأ الخلل حين ينتقل المال من يد الإنسان إلى قلبه، فيصبح مركزًا تدور حوله اختياراته وقيمه.

قال تعالى: ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: 9]. فالتحذير ليس من المال، وإنما من أن يستولي المال على الإنسان حتى ينسى الغاية التي من أجلها يعيش.

حين يتحول التكاثر إلى أسلوب حياة

من أخطر صور الانحراف أن يتحول المال من وسيلة للكفاية إلى سباق لا ينتهي: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ۝ حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: 1–2].

وقد يظهر التكاثر اليوم في الاستهلاك المفرط، والمنافسة في المظاهر، وشراء ما لا نحتاج إليه لمجرد أن الآخرين يملكونه. وهنا لا يعود الاستهلاك سلوكًا اقتصاديًا فحسب، بل يصبح أحيانًا تعبيرًا عن تصور الإنسان لذاته وقيمته.

ولهذا ينبغي أن ينتقل السؤال من: «ماذا أستطيع أن أشتري؟» إلى: «ماذا أحتاج حقًا؟»؛ لأن الإنسان قد يزداد دخله، بينما تزداد معه حاجاته الوهمية، وقد تحيط به الأشياء من كل جانب، لكنه لا يزداد طمأنينة.

كيف نعيش الدنيا إذن؟

المنهج القرآني لا يطلب منا أن نهرب من الدنيا، ولا أن نستسلم لها؛ وإنما أن نحسن العيش فيها. نكسب، لكن بلا طمع يستعبدنا؛ ونستمتع، ولكن بلا إسراف؛ وندخر، لكن بلا خوف؛ ونحسن مستوى معيشتنا، ولكن من غير أن نجعل المظاهر معيارًا لقيمتنا.

وهنا تتضح الصلة بين الاقتصاد والأخلاق: فالإنسان الذي يرى قيمته فيما يملك سيظل يطلب المزيد ولو امتلك الكثير، أما من يعرف أن المال وسيلة فسيسعى إليه دون أن يفقد نفسه فيه.

ولذلك يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «إنما الدنيا منتهى بصر الأعمى، لا يبصر مما وراءها شيئًا، والبصير ينفذها بصره، ويعلم أن الدار وراءها؛ فالبصير منها شاخص، والأعمى إليها شاخص».

إن السؤال الحقيقي إذن ليس: كيف نملك الدنيا؟ بل: كيف نعيشها دون أن تملكنا؟ وحين تتغير الإجابة، يتغير معنى العمل والكسب والاستهلاك والكفاية، ويصبح الاقتصاد جزءًا من مشروع الإنسان الأخلاقي، لا مجرد سباق نحو مزيد من الثروة.

ويبقى السؤال الأعمق: إذا كان وراء هذه الحياة حسابٌ ومصير، فكيف يغيّر الإيمان بالآخرة طريقة كسب المال وإنفاقه واستعماله؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds