أقلام

الذي لا يحتاج إلى أن يكون

أحمد الطويل

مقدمة:

في المقالة الأولى، لم نكن نبحث عن الله من بعيد، ولم نبدأ من السماء لننزل إلى الإنسان؛ بل بدأنا من أقرب نقطة يمكن أن يقف عندها الإنسان: من نفسه، ومن تلك الكلمة الصغيرة التي ينطق بها كل يوم دون أن يتوقف طويلًا عند معناها: «أنا».

قلنا: أنا موجود. ثم أخذنا هذه الحقيقة البسيطة إلى سؤال أبعد: هل وجودي مني؟ وهل أستطيع أن أكون علة وجودي؟ وحين تأملنا الأمر وجدنا أنني، مثل كل ما حولي، موجود على نحو كان يمكن معه ألّا أكون. لم يكن وجودي ضرورة تفرضها ذاتي، ولذلك انتهينا إلى أن وجودي ليس مستغنيًا عن غيره، وأن وراء هذا الوجود الممكن سؤالًا لم نجب عنه بعد.

وهناك توقفنا.

لم نسأل يومها: من هو الله؟ بل تركنا سؤالًا أسبق ينتظرنا: إذا كان كل ما نراه مفتقرًا، فهل يمكن أن يكون الافتقار هو الحقيقة الأخيرة للوجود؟

الآن نستطيع أن نعود إلى السؤال، لكننا قبل أن نجيب عنه نحتاج إلى أن نكون أكثر دقة في النظر إلى ذلك الموجود الذي سميناه في المقالة الأولى «ممكنًا». فالكلمة تبدو بسيطة، لكنها تخفي وراءها مفتاحًا من أهم مفاتيح الحكمة الإلهية.

حين لا يكون الوجود ضروريًا

حين نقول عن شيء إنه موجود، فقد انتهينا في الظاهر من السؤال. لكن العقل، إذا أراد أن يتعمق، لا يكتفي بأن يعرف أن الشيء موجود؛ بل يسأل عن نحو وجوده، لأن الموجودات ليست كلها على مرتبة واحدة من جهة حاجتها واستغنائها.

هناك ما يكون عدمه محالًا في نفسه، وهناك ما لا يقتضي وجوده ولا عدمه في ذاته، ويمكن للعقل أن يتصوره موجودًا أو غير موجود من غير أن يقع في تناقض. ومن هنا جاء التقسيم الفلسفي المعروف: الموجود إما أن يكون واجب الوجود، وإما أن يكون ممكن الوجود.

والعلامة الطباطبائي، في بداية الحكمة، حين يبدأ مباحث الوجود، يعرّف الممكن بأنه ما لا يمتنع وجوده ولا عدمه، ثم يبين أن الوجوب بالذات هو أن تكون الذات، بالنظر إليها وحدها، مقتضية لضرورة وجودها، من غير حاجة إلى شيء خارج عنها.

قد تبدو العبارة لأول وهلة مجرد تعريف فلسفي، لكنها في الحقيقة تعيد ترتيب السؤال كله.

فحين أقول: أنا ممكن الوجود، لا أقول إنني غير موجود، ولا إن وجودي وهم، وإنما أقول شيئًا أدق: إن ذاتي لا تفرض عليّ أن أكون موجودًا. وجودي واقع فعلًا، لكن ذاتي وحدها لا تفسر لماذا وقع الوجود بدل العدم.

وهنا يظهر الفرق بين أن يكون الشيء موجودًا، وبين أن يكون وجوده مستندًا إلى ذاته. فأنا موجود، وهذا البيت موجود، وهذه الشجرة موجودة، لكن لا واحدًا منها يحمل في ذاته ضرورة وجوده، ولا يستطيع شيء منها أن يقول إن وجوده ممتنع العدم بذاته.

إن الممكن، من حيث هو ممكن، لا يحمل في داخله تلك الضرورة التي تجعل وجوده لازمًا بذاته. ومن هنا يعود السؤال الذي تركناه في نهاية المقالة الأولى بصورة أكثر دقة: إذا كانت ذات الممكن لا تكفي في تفسير وجوده، فما الذي أخرجه من الإمكان إلى الوجود؟

من الإمكان إلى الوجود

هنا تبدأ المسألة التي جعلها الحكماء من مفاتيح البحث في العلية.

لو كانت ماهية الشيء تقتضي وجوده بذاتها، لما أمكن أن يتخلف وجوده عنها، ولما كان وجوده أمرًا يمكن أن يطرأ عليها أو لا يطرأ. أما إذا كانت لا تقتضي وجودًا ولا عدمًا، فإنها تبقى من هذه الجهة على حد سواء. لكن الشيء الموجود في الخارج لم يبقَ على ذلك التساوي؛ لقد صار موجودًا بالفعل.

فما الذي حدث؟

نحن لا نحتاج إلى افتراض قوة غامضة تدفع الأشياء إلى الوجود، بل يكفي أن نفهم أن الممكن، ما دام لا يملك في ذاته ما يوجب وجوده، لا بد أن يستند في تحققه إلى غيره. وهذا الغير هو الذي نسميه العلة.

والعلة هنا ليست مجرد حادثة سبقت حادثة، كما نقول إن المطر سبب لبلل الأرض أو إن النار سبب لاحتراق الورق، بل نتحدث عن أصل أعمق: عن شيء يتوقف عليه تحقق وجود شيء آخر.

ولهذا كان بحث العلة متصلًا مباشرة ببحث الإمكان؛ فالممكن لا يفسر نفسه، لأن ما كان وجوده مفتقرًا لا يمكن أن يكون هو نفسه مانحًا لذلك الوجود من حيث هو مفتقر إليه. ولو كان مستغنيًا عن غيره في أصل وجوده، لما كان ممكنًا أصلًا، بل لكان واجبًا.

ومن هنا نفهم العبارة التي تبدو قصيرة، لكنها تحمل بناءً فلسفيًا كاملًا، والتي يذكرها العلامة الطباطبائي في بداية الحكمة: «الشيء ما لم يجب لم يوجد»؛ أي إن الممكن لا يكفي أن يكون وجوده مرجحًا بصورة ناقصة، بل لا بد أن يبلغ الأمر حدًّا يتعين معه وجوده، وهذا يحصل بالعلة التامة التي توجب وجود معلولها.

وبذلك لا يعود وجود الممكن لغزًا قائمًا بذاته، لكنه في الوقت نفسه يفتح أمامنا سؤالًا أعظم: إذا كان كل ممكن يحتاج إلى علة، فأين ينتهي هذا الافتقار؟

حين ينتقل السؤال من شيء إلى شيء

قد يبدو الجواب في البداية سهلًا. وجودي بسبب أبي وأمي، ووجودهما بسبب آبائهما، وهكذا يمكن أن نعود في سلسلة طويلة من الأسباب. لكننا هنا لا نبحث عن سلسلة الأنساب، ولا عن أول إنسان ظهر في التاريخ، ولا عن أول حدث زمني وقع في الكون؛ فالمسألة أعمق من ذلك بكثير.

نحن نسأل عن الافتقار الوجودي: إذا كان هذا الموجود لا يستقل بوجوده، وكان ما يعتمد عليه لا يستقل أيضًا، فهل يؤدي تتابع المحتاجين إلى موجود مستغنٍ؟

لو قلنا إن وجود «أ» متوقف على «ب»، ووجود «ب» متوقف على «ج»، ثم كان «ج» متوقفًا على «د»، فإننا لم نجعل «أ» مستغنيًا عن غيره، وإنما وسعنا دائرة ما يعتمد عليه. وإذا كانت كل الحلقات في هذه السلسلة ممكنة، فإن كل واحدة منها تقول عن نفسها، من حيث حقيقتها الوجودية: وجودي ليس مني. ولن تتحول هذه الحقيقة إلى استغناء لمجرد أن عدد المحتاجين صار كثيرًا.

المشكلة إذن ليست في طول السلسلة، ولا في أن نجد لها بداية زمنية أو لا نجد، وإنما في أن الممكن، من حيث هو ممكن، لا يملك في ذاته ما يفسر انتقاله من الإمكان إلى الوجود.

فإذا كانت جميع العلل التي نعتمد عليها ممكنة هي الأخرى، بقيت الحاجة قائمة، وكان لا بد للعقل أن يسأل عن موجود يختلف في أصل نحوه عن هذه الموجودات كلها: موجود لا يكون وجوده مستفادًا من غيره.

وهنا تبدأ الكلمة التي ستغير شكل الطريق كله: واجب الوجود.

الذي لا يستمد وجوده من غيره

واجب الوجود ليس موجودًا أقوى من الموجودات، كما لو كان فردًا بينها ثم امتاز عنها بقدر أكبر من القوة. فلو كان كذلك لكان من جنسها، ولجاز أن نسأل عن علة وجوده.

وإنما واجب الوجود هو الذي لا يحتاج في أصل وجوده إلى علة خارجة عنه؛ وجوده ليس أمرًا مستفادًا، ولا عطية تلقاها من غيره، ولا حقيقة يمكن أن تكون موجودة مرة ومعدومة مرة.

وهنا تظهر المفارقة التي كنا نبحث عنها منذ بداية السلسلة: كل ما حولنا يمكن أن نسأل عنه: لماذا هو موجود؟ أما واجب الوجود فلا يقال فيه: من الذي أوجده؟ لأن افتراض من أوجده يعني أنه مستمد الوجود من غيره، وحينها لا يكون واجب الوجود بذاته.

وهذا هو الله سبحانه وتعالى.

لكن ينبغي أن ننتبه إلى أمر بالغ الأهمية: حين نصل إلى الله بهذا البرهان، لا نكون قد اكتشفنا شيئًا في نهاية الكون، ولا كائنًا عظيمًا يقف على رأس سلسلة من الكائنات، وإنما وصلنا إلى مبدأ الوجود الذي لا يستمد وجوده من غيره.

وهنا يتغير معنى الغنى الذي تحدثنا عنه في المقالة الأولى. فالغنى الحقيقي ليس أن يملك الإنسان أشياء كثيرة، لأن الإنسان مهما ملك يبقى وجوده نفسه غير مستغنٍ. أما الله سبحانه فغناه ليس غنى ملك، وإنما غنى وجود؛ هو الذي لا يفتقر في أصل وجوده إلى غيره، وكل ما سواه مفتقر إليه.

ومن هنا نفهم قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾.

فالآية، حين نعود إليها بعد هذا البرهان، تبدو أعمق من مجرد حديث عن حاجة الإنسان إلى الرزق أو العون؛ إنها تكشف تفاوتًا أصليًا في الوجود: واجبًا لا يفتقر، وممكنًا لا يستغني.

ما الذي يقتضيه وجوب الوجود؟

لكن هل يكفي أن نقول: الله موجود؟

هنا، وللمرة الأولى، ينبغي أن نشعر بأننا لم نصل إلى نهاية الطريق، بل دخلنا إلى طريق جديد. لقد كان سؤالنا في البداية: من أين جاء وجود الممكن؟ وانتهينا إلى أن الممكن لا يفسر نفسه، وأن اجتماع الممكنات لا يحولها إلى موجود مستغنٍ، وأن العقل ينتهي إلى واجب الوجود.

لكن ماذا يعني أن يكون الله واجب الوجود؟

هذا السؤال ليس ترفًا فلسفيًا؛ لأننا نستطيع أن نثبت وجود الله ثم نقع في خطأ أن نتصوره على صورة الموجودات التي نعرفها. قد يتخيل العقل شيئًا عظيمًا جدًا، قديمًا جدًا، قويًا جدًا، ثم يسميه «الله»، مع أن هذا ليس ما وصلنا إليه.

الذي وصلنا إليه هو وجود لا يستمد وجوده من غيره، ومن هنا تبدأ لوازم هذا الوجوب بالظهور. فإذا كان وجوده غير معلول، فكيف يمكن أن يكون مركبًا من أجزاء يحتاج بعضها إلى بعض؟ وإذا كان واجب الوجود بذاته، فهل يمكن أن تكون ذاته شيئًا ووجوده شيئًا زائدًا عليها على نحو يفتقر إلى علة؟ وإذا كان واجبًا، فكيف يتصور فيه نقص حقيقي أو جهة عدمية تجعله فاقدًا لكمال يمكن أن يكون له؟

هذه الأسئلة ليست إضافات من خارج البرهان، بل هي ثمار فهمنا لمعنى الوجوب نفسه، وهي التي ستقودنا في المقالة القادمة إلى مباحث البساطة والوحدة والتنزيه.

من واجب الوجود إلى التوحيد

إذا كان واجب الوجود واحدًا، فليست وحدته مجرد رقم في مقابل اثنين وثلاثة؛ إذ إن تعدد الواجب بالذات يثير سؤالًا عن جهة التمييز بين ما يفترض أنهما مستغنيان في أصل وجودهما، وهو ما يقود إلى معانٍ لا تنسجم مع وجوب الوجود بالذات.

وهنا يلتقي البرهان العقلي بكلمة أمير المؤمنين عليه السلام في مطلع نهج البلاغة: «أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له…».

فالمسألة ليست مجرد أن نضيف الله إلى قائمة الموجودات، بل أن ندرك أن واجب الوجود ليس موجودًا من جنس الموجودات المحدودة، ولا يمكن أن تكون معرفته إحاطةً به كما نحيط بالأشياء.

نحن نعرف النار والشجرة والإنسان من خلال حدودها وما يميزها عما سواها، أما الله سبحانه فلا يمكن أن يكون موجودًا محدودًا تحيط به عقولنا كما تحيط بالمخلوقات. ولذلك فإن معرفة الله لا تعني أن نحوله إلى صورة ذهنية مكتملة ثم نزعم أننا أحطنا بحقيقته، بل أن نعرفه بما دل عليه البرهان والوحي، مع تنزيهه عن مشابهة خلقه.

وهنا يصل الطريق إلى عتبة جديدة: إذا كان الله واجب الوجود، وليس وجوده كوجود الأشياء، فما معنى الوجود حين ننسبه إليه؟

حين يصبح البرهان طريقًا إلى الله

ربما كان أجمل ما في هذا الطريق أن البرهان لم يتركنا في عالم التجريد. بدأنا من «أنا»، ثم اكتشفنا أن هذه الـ«أنا» موجودة، لكنها ليست مصدر وجودها. ونظرنا إلى الممكن، فوجدنا أن إمكانه ليس نفيًا لحقيقة وجوده، بل افتقارًا في أصل هذا الوجود إلى غيره. ثم تتبعنا هذا الافتقار حتى أدركنا أن الممكنات، مهما كثرت، لا تجعل الفقر غنى بمجرد اجتماعها، فكان لا بد للعقل أن يتجه إلى موجود لا يستمد وجوده من غيره.

وهناك وقفنا أمام معنى واجب الوجود.

لكن الوصول إلى واجب الوجود لم يغلق الأسئلة، بل غيّر طبيعتها. فقد كنا في البداية نسأل: من أين لي أن أكون؟ وأصبح السؤال الآن: ما معنى أن يكون هناك من لا يحتاج إلى أن يكون بغيره؟

وهذا السؤال سيأخذنا في المقالة القادمة إلى منطقة لا يكفي فيها أن نقول: الله موجود. سنحتاج أن نتأمل معنى الوجود نفسه، والماهية، والبساطة، والوحدة، والتنزيه، وما الذي يترتب على كون وجود الله تعالى غير مستفاد من غيره.

وربما عندها سنكتشف أن أكبر خطأ يمكن أن يقع فيه العقل بعد أن يثبت الله، هو أن يتخيله على صورة المخلوقات ثم يضيف إليها من العظمة ما شاء. فالله ليس مخلوقًا عظيمًا، وليس جزءًا من هذا العالم، والعالم ليس جزءًا من ذاته؛ بل الخالق خالق، والمخلوق مخلوق، والواجب واجب، والممكن ممكن، وبينهما علاقة إيجاد وافتقار، لا حلول ولا اتحاد.

لقد أغلقنا اليوم بابًا كان مفتوحًا في نهاية المقالة الأولى: عرفنا من أين يأتي الغنى في مقابل الفقر، وعرفنا أن السؤال عن علة الوجود ينتهي عند من لا يستمد وجوده من غيره. لكننا، ونحن نغلق هذا الباب، وجدنا بابًا آخر أعمق منه: إذا كان الله واجب الوجود، فما معنى أن يكون وجوده مختلفًا عن كل وجود نعرفه؟

هناك سنبدأ من جديد؛ لا لنثبت أن الله موجود، فقد تجاوزنا هذه العتبة، بل لنسأل عن الوجود الذي لا يشبه وجودنا.

يتبع في المقالة الثالثة: «حين لا يكون الوجود مثل الوجود»

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds