مجالس الأحساء قديمًا وحديثًا

طالب البقشي
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
من آداب المجالس ما أوصى به النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أبا ذر: «يا أبا ذر، المجالس بالأمانة، وإفشاء سرّ أخيك خيانة، فاجتنب ذلك». وهي مقولة نبوية تؤكد أهمية حفظ أسرار المجالس، وعدم إفشاء ما يدور بين الحاضرين من أحاديث خاصة أو أمور يستوجب سترها.
ومن أشهر المقولات عن المجالس، كما قيل: «المجالس مدارس»، وقيل أيضًا: «من جالس جانس»، وهو مثل شعبي بليغ قُصد به أن الإنسان يكتسب طباع وصفات من يجلس معهم.
ومن حكم التراث العربي البليغة في آداب المجالس وعمارتها ما قيل: «خيرُ المجالسِ ما واجهَ المَطالِعَ وسِيعَتْ فيه مَكارِمُ الأخْلاقِ». ويُقصد بهذه المقولة أن يكون المجلس مستقبلًا لجهة الشروق أو الجهات المفتوحة التي يدخل منها الضوء والهواء الطليق، ويتسع صدر صاحب المجلس وخُلُقه لجميع الحاضرين.
وقال أحد الشعراء في مدح المجالس:
المجلس اللي كل طيب يدله
عسى النعم تمطر على باب راعيه
وقال شاعر آخر:
المجلس اللي يكرم الضيف والجار
ومن ضاق صدره قال بروح صوبه
والمجلس هو المكان الخاص لاستقبال الضيوف، وله مسميات عدة؛ فقد كان يُسمّى الديوانية، ويُسمّى المضاف، وحديثًا يُسمّى مجلس الرجال أو غرفة الضيوف.
وللمجالس مكانة مهمة ومرموقة في نفوس المجتمعات العربية، حيث تُعدّ هذه المجالس بمثابة مدارس لتعليم الأجيال الجديدة قيم الاحترام، وتقدير كبار السن، وحل النزاعات بطرق سلمية.
وتتنوع المجالس في واحة الأحساء قديمًا، حيث شكّلت مراكز للتواصل الاجتماعي والثقافي والتجاري، والتشاور والأدب، وحل النزاعات. وذكر الكاتب صالح النصر في مقال له أنواع المجالس في الماضي بالأحساء، ومنها:
1. مجلس للشرع، ويُعقد في بيت القاضي.
2. مجلس العلم، ومكان انعقاده في المسجد.
3. مجلس الفريج، ومكان انعقاده في بيت العمدة أو في بيت عميد الأسرة أو في إحدى برايح الفريج.
4. مجلس للضيافة، ومكان انعقاده في البيوت، فيحرص رب الأسرة على مجلسه ويهتم به.
5. مجلس العمل، ومكان انعقاده عند بوابات الدراويز أو عند الأسواق أو عند أحد العواير بإحدى البرايح، ويقوم عليه رؤساء الحرف والمهن.
وحوى حي الكوت (الهفوف) قديمًا مجالس لفقهاء وقضاة، ومنها مجلس أسرة الملا، ويُعدّ من أشهر المجالس، وفيه «بيت البيعة» التاريخي الذي استضاف الملك عبد العزيز، رحمه الله، عام 1331هـ. ومنها مجلس القضاة من أسرة العدساني، وكان مجلسهم مقصدًا لحل الخصومات. كما حوى الحي مجلسًا لأسرة العبدالسلام، ومجلسًا لأسرة الحرز، ومجلسًا لأسرة البحراني، والقائم عليه الحاج حسين البحراني.
وضمّ حي الرفعة في ماضي الأيام مجلسًا لأسرة بوخمسين، ومنها مجلس مرجع الدين الشيخ موسى بوخمسين، وهو مجلس ديني واجتماعي كبير في حي الرفعة، كان مرجعًا لحل النزاعات الأسرية والتجارية، وتقديم المساعدات الاجتماعية. وذكر الشيخ موسى عبد الهادي بوخمسين المعاصر، في كتاب دوّنه بعنوان أعلام أسرة آل أبي خمسين، عن سيرة آية الله الشيخ موسى بوخمسين، أنه كان قبلة الوفّاد والضيوف؛ لذا أحدث فوق مجلسه الواسع طابقًا علويًا، كان جناحًا خصصه لقاصديه من خارج الأحساء. وهذا الكرم أثار قريحة ضيفه الشاعر زين العابدين الكويتي، الذي عبّر عن إعجابه بالجناح بمنظومة غراء تضمنت:
يا غرفة شُيّدت لأهل الدين
عن أمر مولى من أبي خمسين
مشكاة قنديل العلوم وحافظ
الشرع المبين بعلمه المكنون.
كما حوى حي الرفعة، في محلة الفوارس، مجلس الوجيه الحاج عبد الله بن أحمد بن محمد آل رمضان.
ومن مجالس الأسر في النعاثل مجلس الحاج حبيب الحمزة العيد، ومجلس الخطيب محمد العوض.
ومن مجالس الأسر في حي الرقيات مجلس الحاج حسين المسلم، ومجلس الحاج موسى بن محمد الدباب.
ووصف الرحالة الأجانب والمستشرقون، ومنهم الرحالة لويمر في دليل الخليج والرحالة الأجنبي باركلي راونكير عام 1912م، كرم الضيافة لدى أهل الأحساء، وذكروا في مذكراتهم كيف زاروا مجالس الأعيان والتجار في الهفوف والمبرز، ووصفوا الطراز المعماري لهذه المجالس (الكمار والجصيات والرواشن).
وشكّلت مجالس الأحساء قديمًا وحديثًا ركيزة أساسية في التاريخ الاجتماعي والثقافي للمنطقة، حيث كانت هذه المجالس بمثابة مدارس أدبية وفقهية، ومراكز للتفاعل الاجتماعي. فعلى الرغم من قلة الكتب التي أفردت عنوانًا مستقلًا يحمل اسم «مجالس الأسر»، فإن هذه المجالس تتزايد وتتوسع بين الأسر في أنحاء الأحساء، مما جعلها ظاهرة اجتماعية وثقافية وتاريخية عريقة.
وتُعدّ «مجالس الأسر» من أبرز العادات المتوارثة في الأحساء، وهي تجمعات يومية أو أسبوعية للرجال في المنازل أو الدواوين، ويتم خلالها تبادل الأحاديث ومناقشة قضايا المجتمع وتعزيز الروابط الاجتماعية. وتزخر الأحساء بالعديد من المجالس العريقة التي يمتد تاريخها لأجيال متعاقبة.
ومن المجالس العريقة في تاريخ الأحساء مجلس أسرة الخرس، وهو مجلس عائلي عريق في حي الرفعة، كان القائم عليه الحاج صالح الخرس والحاج عبد المحسن بن حسين الخرس. ثم تأسس فيما بعد مجلس عام لأسرة الخرس في حي الفيصلية، ثم أعقبته المجالس الخاصة في المنازل. ومن المجالس المشهورة لأسرة الخرس بمدينة المبرز مجلس الحاج علي بن حسين الخرس في منزله، وهو امتداد للمجلس المشهور للحاج الشيخ حسين بن علي بن الخرس والحاج علي بن محمد بن الخرس، كما ذكر ذلك رجل الأعمال فهد بن علي بن حسين الخرس. ومجلس الخرس من المجالس التي عُرفت بحضورها الاجتماعي واستقبال جميع أطياف المجتمع، حيث تجد الأحاديث اليومية المعروفة، وعقد الصفقات والبيع والشراء، واستقبال الأعيان ووجهاء المنطقة.
ومن أشهر مجالس الأدب والفكر التي استضافت الأدباء والمثقفين: أحدية المبارك، واثنينية النعيم، وملتقى العفالق، وثلاثية المغلوث، وخميسية بوخمسين، حيث تشرع هذه المجالس أبوابها لرجال العلم والثقافة، موزعة على أيام الأسبوع.
وحديثًا، انتشرت مجالس الأسر انتشارًا واسعًا في أنحاء الأحساء، ومنها مجالس الأسر في الهفوف، وهي مجلس أسرة السماعيل، ومجلس أسرة الشعيبي، ومجلس أسرة بوخمسين، ومجلس أسرة العرفج، ومجلس أسرة البقشي، ومجلس أسرة الجغيمان، ومجلس أسرة الملحم، ومجلس أسرة الغدير، ومجلس أسرة المطوع، ومجلس أسرة العليو، ومجلس أسرة المله، ومجلس أسرة النعيم، ومجلس أسرة الجعفري، ومجلس أسرة الخرس، ومجلس أسرة المبارك.
وأما مجالس الأسر في المبرز، فمنها مجلس أسرة العفالق، ومجلس الجبر، ومجلس الطريفي، ومجلس الزرعة، ومجلس الموسى، ومجلس العبد القادر، ومجلس الخرس، ومجلس العلوان، ومجلس أسرة البراهيم، ومجلس أسرة الصويغ، ومجلس أسرة السلمان، ومجلس أسرة الراشد، ومجلس أسرة المخايطة، ومجلس أسرة الخليفة، ومجلس أسرة السادة، ومجلس أسرة البوعياش، ومجلس أسرة الهاشم، ومجلس أسرة البشر، ومجلس أسرة السعدون، ومجلس أسرة السعد، ومجلس أسرة الباروت، ومجلس أسرة العباد، ومجلس أسرة البراهيم، ومجلس أسرة المؤمن، ومجلس أسرة الصالح، ومجلس أسرة الحليبي، ومجلس أسرة الصياح، ومجلس أسرة الحماد، ومجلس أسرة الشهيل، ومجلس أسرة العثمان، ومجلس أسرة القروني، ومجلس أسرة المهنا، ومجلس أسرة الجري.
وأقامت جمعية التنمية الأسرية بالأحساء برنامج مجالس الأسر الثالث، الذي استضاف أكثر من (50) مجلسًا أسريًا في برنامج مجالس الأسر في الأحساء، وعُقد اللقاء عام (1444هـ/2022م) في مجلس أسرة السادة آل هاشم.
ومن الكتب التي كُتبت عن أحد مجالس الأسر الأحسائية كتاب مجلس عبد اللطيف بن محمد بن حسين الحسين (مسيرة مائة عام)، تأليف الدكتور عبد اللطيف بن إبراهيم الحسين، ويتناول مسيرة هذا المجلس العائلي العريق بالأحساء وتاريخه.
وحديثًا، تم إنشاء مجلس «رأس العاير» التراثي في الجبيل، وهو مجلس تراثي واجتماعي خاص أنشأه الأستاذ عبد الكريم محمد الممتن في بلدة الجبيل التابعة لمحافظة الأحساء. وتم إنشاء هذا المجلس على طراز مجالس الآباء والأجداد ليكون ملتقى اجتماعيًا يجمع أهالي بلدة الجبيل والمناطق المجاورة لها، ومكانًا لائقًا لكبار السن لاستعادة ذكريات المجالس القديمة وتعزيز الروابط الاجتماعية بين الأجيال.
وقد أُجريت دراسة علمية عن دور المجالس العائلية في تعزيز الترابط الأسري بمجتمع محافظة الأحساء، وهي دراسة ميدانية على مجالس أسر الأحساء، أُجريت على عدد 22 مجلسًا أسريًا، من إعداد أحمد بن صالح النعيم، وخرجت الدراسة بتوصيات، منها رفع الوعي المجتمعي تجاه أهمية المجالس العائلية.
ولا يقتصر دور المجالس الأسرية على اللقاء وتعميق أواصر الترابط الأسري فحسب، بل يتسع ليشمل تبني مبادرات ومشاريع في التنمية الأسرية والمشاركة التطوعية والمجتمعية، بما يخدم الأسرة والمجتمع والوطن.




