مقاحيد كُوم

حسين الحاجي
في حياتنا الاجتماعية نبالغ أحياناً في الأوصاف التي نمنحها لبعضنا حتى تتجاوز حدود الواقع ، شخص عادي نرفعه إلى ( قامة وطنية ) ومبادرة بسيطة نسميها ( إنجازاً تاريخياً ) وكلمة قصيرة نصفها بأنها ( محاضرة استثنائية ) ومناسبة معتادة نقدمها على أنها ( حدث غير مسبوق ) وكل متحدث ( مبدع ) وكل عمل ( أسطوري ) وكل حضور ( مبهر ) .
هذه ليست مشكلة عبارات فحسب بل مشكلة ميزان فعندما نرفع سقف المديح في كل مرة نفقد تدريجياً قدرتنا على التفريق بين الجيد والممتاز ، وبين المجتهد والمتفوق وبين العمل النافع وما يستحق أن يبقى في الذاكرة .
يقول الشاعر الجاهلي عمرو بن الأهتم :
وقمت إلى البرك الهواجد فاتقت
مقاحيد كوم كالمجادل روق ) .
والمقاحيد الكُوم هي الإبل السمينة وقد شبهها الشاعر بالقصور لضخامة أجسامها ، فكانت تلك صورة شعرية معبّرة ، أما في حياتنا فقد تتحول المبالغة إلى أوصاف تتجاوز الحقيقة حتى تكبر الكلمات ويصغر أمامها الواقع .
نرى ذلك في تفاصيل حياتنا اليومية ، يحضر أحدنا لقاءاً فنكتب عنه وكأنه غيّر وجه المجتمع ويلقي آخر حديثاً عادياً فنصفه بأنه مدرسة وينفذ فريق مهمة تدخل أصلاً ضمن مسؤولياته فنحتفي بها وكأنها فتح جديد ، ومع تكرار هذا الأسلوب تفقد العبارات تأثيرها فيتحول الثناء الكبير إلى كلام عادي لا يلفت الانتباه .
وتتسع الدائرة في منصات التواصل ، فصورة عابرة نرفعها إلى مرتبة ( الإبداع ) ورأي مألوف نصفه بأنه ( طرح عميق ) ومقطع قصير نقدمه على أنه ( محتوى لا مثيل له ) وهكذا تختلط علينا الحدود بين التشجيع والمبالغة وبين المجاملة والإنصاف .
وهنا تظهر خطورة الأمر ، فإذا اعتدنا التصفيق لكل شيء تراجعت قيمة التميز وإذا ساوينا بين المحاولة والإنجاز ظلمنا أصحاب العطاء الحقيقي ، فالإفراط في المدح لا يرفع قيمة العمل بل قد يحرم المجتهدين من التقدير الذي يستحقونه .
نحن لا نحتاج إلى البخل بالثناء ولا إلى إطفاء فرحة أحد ، فالكلمة الطيبة ترفع المعنويات وتزرع المودة لكن جمالها في صدقها وقيمتها في أن تأتي على قدر ما تصف ، نستطيع أن نقول : عمل جميل ، جهد موفق ، مبادرة نافعة ، دون أن نجعل كل خطوة فتحاً عظيماً .
ختاماً ، الكلمات مثل العملة ، إذا أغرقنا السوق منها فقدت قيمتها ، فلنحفظ للأوصاف الكبيرة هيبتها وللإنجازات مكانتها وللناس حقهم في ثناء صادق لا يزيدهم وهماً ولا ينقصهم قدراً ، فليس كل ما نصفه بأنه ( مقاحيد كُوم ) يستحق هذا الوصف والعظمة لا تصنعها الكلمات بل يثبتها الأثر .




