أقلام

حين لا يكون الوجود مثل الوجود

أحمد الطويل

مقدمة:

حين نعرف أن الله موجود، تبدأ رحلة أخرى: كيف نفهم وجوده من دون أن نقيسه على وجود المخلوقات.

في المقالة السابقة، وصلنا إلى أن وجود الأشياء من حولنا لا يفسّر نفسه بنفسه، وأن ما يحتاج إلى غيره لا يمكن أن يكون أساسًا نهائيًا لكل وجود. ومن هنا تعرّفنا إلى مفهوم واجب الوجود، الذي لا يستمد وجوده من سواه، ولا يحتاج إلى غيره لكي يكون موجودًا.

لكن إثبات هذه الحقيقة يفتح أمامنا بابًا جديدًا. فنحن نعرف أشياء كثيرة، ونستطيع أن نصفها، ونقارن بينها، ونفهم ما يجمعها وما يميز بعضها عن بعض. وحين نقول إن شيئًا موجود، فإننا غالبًا ما نتخيله على صورة شيء رأيناه أو عرفناه من قبل.

فماذا يحدث حين نتحدث عن الله سبحانه وتعالى؟ هل نتصوره موجودًا مثل سائر الموجودات، لكن أعظم منها قوةً وأوسع منها علمًا؟ وهل الفرق بينه وبين خلقه مجرد فرق في مقدار الكمال، كما يختلف الإنسان القوي عن الإنسان الضعيف؟

هنا ينبغي أن نتوقف قليلًا؛ لأننا إن بدأنا من صورة المخلوق ثم ضاعفناها في أذهاننا إلى ما لا نهاية، فلن نكون قد تجاوزنا عالم المخلوقات، بل سنكون قد صنعنا صورة أكبر منها فحسب.

إن السؤال الذي نواجهه الآن ليس: كم تبلغ عظمة الله؟ بل: هل يصح أصلًا أن نقيسه على الأشياء التي نعرفها؟

حين لا تكفي الصورة التي في أذهاننا

عندما نحاول تخيل جبل عظيم، فإننا نتخيل جبلًا نعرفه، ثم نجعله أعلى وأضخم. وحين نتخيل بحرًا واسعًا، فإننا نبدأ من بحار رأيناها أو سمعنا عنها، ثم نوسّع صورتها في أذهاننا. وحتى حين نتخيل شيئًا لم نره قط، فإن خيالنا يستعين غالبًا بأشياء عرفناها من قبل.

لكن هل نستطيع أن نعرف الله بالطريقة نفسها؟

لو تخيلنا الله على أنه موجود يشبه المخلوقات، ثم أضفنا إليه قوة لا نهائية، فإننا نكون قد أبقينا في أصل تصورنا فكرة التشابه، مع أن ما انتهينا إليه في المقالة السابقة يقودنا إلى ما هو أعمق: الله ليس محتاجًا إلى غيره في وجوده، بينما كل ما نعرفه من المخلوقات يقع ضمن حدود وشروط، ولا يملك وجوده استقلالًا مطلقًا.

فليس الفرق أن المخلوق صغير والله كبير، أو أن المخلوق ضعيف والله قوي فحسب. إن هذه المقارنات تتحدث عن صفات يمكن أن نقارن فيها بين الأشياء، لكنها لا تعبّر وحدها عن الفرق الجوهري بين الخالق والمخلوق.

الله سبحانه ليس واحدًا من الأشياء التي نراها، ولا جزءًا خفيًا من العالم، ولا جسمًا عظيمًا يقف في مكان بعيد. ولو جعلناه كذلك، لأسقطنا عليه تصوراتنا عن المخلوقات، بدل أن نفهم ما يقتضيه كونه خالقها.

ومن هنا يبدأ معنى التنزيه.

التنزيه لا يعني أننا لا نعرف الله

قد تُفهم فكرة تنزيه الله بطريقة غير مقصودة، فيظن بعض الناس أن القول بأنه لا يشبه المخلوقات يعني أننا لا نستطيع أن نعرف عنه شيئًا. لكن هذا ليس المقصود.

فنحن نستطيع أن نعرف الله بما عرّفنا به نفسه، ونتأمل في أسمائه وصفاته، وننظر في آثار حكمته وقدرته في خلقه. غير أن معرفتنا به لا تعني أننا أحطنا بحقيقته، ولا أن ما نعرفه عن صفاته يشبه بالضرورة ما نعرفه عن صفات المخلوقات.

تأمل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ \[الشورى: 11\]. تجمع الآية بين معنيين متكاملين؛ فهي تنفي أن يكون لله مثيل، ثم تثبت له السمع والبصر. فلا التشبيه صحيح، ولا نفي صفات الكمال هو الطريق إلى التنزيه.

فحين نصف الله بالعلم، لا نعني علمًا محدودًا اكتسبه بعد جهل، كما يحدث للإنسان. وحين نصفه بالقدرة، لا نعني قدرة تنمو بالتدريب أو تضعف مع الزمن. إننا نثبت له صفات الكمال، مع تنزيهه عن النقص والحدود التي نعرفها في المخلوقات.

وهذا يعلّمنا أمرًا مهمًا: ليس كل ما نفهمه في أنفسنا يصح أن ننقله إلى الله بالطريقة نفسها. فالإنسان يعلم، لكنه يتعلم؛ ويقدر، لكنه يعجز؛ ويعيش، لكنه لا يملك بقاءه. أما الله سبحانه، فلا يصح أن نجعل صفاته خاضعة لهذه الحدود.

إن التنزيه ليس إبعادًا لله عن المعرفة، بل هو تحرير معرفتنا به من الصور التي قد تضللنا.

هل يحتاج الكامل إلى ما يكمله؟

لنقترب الآن من سؤال آخر. حين ننظر إلى الأشياء المركّبة من أجزاء، نجد أن كل جزء يؤدي وظيفة، وأن اجتماع الأجزاء وترابطها يفسران كيفية تكوّن الشيء. فالبيت، مثلًا، يتكوّن من مواد وأجزاء، ولا يكفي وجود هذه الأجزاء متفرقة حتى يكون بيتًا قائمًا؛ بل لا بد من اجتماعها على نحو معين.

ومهما كان البيت متينًا أو جميلًا، فإنه يعتمد على أجزائه وعلى انتظامها. ولو فقد ما لا يمكن أن يقوم من دونه، لتأثر وجوده أو صورته التي نعرفها.

هذا المثال لا يثبت وحده كل ما تقوله الفلسفة عن التركيب، لكنه يقرّب سؤالًا يستحق التأمل: إذا كان الشيء مركّبًا، فهل يكون مستقلًا استقلالًا مطلقًا، أم تتعلق حقيقته بما يتكوّن منه وبكيفية اجتماع أجزائه؟

ومن هنا بحث الفلاسفة مسألة بساطة واجب الوجود، أي إنه ليس مركّبًا من أجزاء يحتاج بعضها إلى بعض حتى يكون هو ما هو عليه. فلو كان وجوده متوقفًا على أجزاء أو على ما يجمعها، لبرز السؤال عن تلك الأجزاء وعن اجتماعها، ولما كان الحديث عن الغنى المطلق قد اكتمل.

لكن ينبغي ألا نستعجل النتيجة أو نتعامل مع المثال وكأنه برهان تام. فالبحث الفلسفي في بساطة واجب الوجود يحتاج إلى تفصيل أدق من وصف الأشياء المادية بأنها مركّبة. ما نريد تثبيته هنا هو موضع السؤال: إذا كنا نتحدث عن وجود لا يعتمد على غيره، فهل يمكن أن يكون قائمًا على أجزاء يحتاج إليها؟

بهذا نبدأ في رؤية أن واجب الوجود ليس مجرد موجود أزلي أو بالغ القوة؛ بل إن مفهومه يدعونا إلى التفكير في كل ما يمكن أن يتضمنه معنى الحاجة والاعتماد، وفيما إذا كان ذلك ينسجم مع الغنى الإلهي المطلق.

بين الخالق والعالم

وقد يقودنا هذا التأمل إلى سؤال آخر: إذا كان العالم محتاجًا إلى الله في وجوده، فهل يعني ذلك أن العالم جزء من ذاته، أو أن الله موجود داخل الأشياء كما يوجد الماء في الإناء؟

ينبغي هنا أن نفرّق بين الاعتماد والاتحاد. فكون الشيء محتاجًا إلى من أوجده لا يعني أنه جزء من ذاته، كما أن أثر الفعل لا يصبح هو الفاعل نفسه.

وعندما نقول إن العالم لا يستقل عن الله، فإننا لا نقول إن العالم هو الله، ولا إن المخلوقات أجزاء من ذاته، بل نقول إن وجودها قائم بإيجاده سبحانه، وإنها لا تملك من نفسها استقلالًا يقطع صلتها بخالقها.

إن الله خالق العالم، وليس شيئًا من أشياء العالم. والعالم مخلوق له، وليس جزءًا من ذاته. وبين الأمرين فرق أساسي يحفظ معنى الخالقية، ويمنع أن نتصور العلاقة بين الله وخلقه على مثال العلاقات المادية التي نعرفها.

وهذا لا يعني أن الله بعيد عن خلقه بمعنى الغياب المكاني، أو أن افتقار الأشياء إليه لا يتجاوز لحظة بدايتها. فالمخلوق لا يصبح مستقلًا عن خالقه لمجرد أنه وُجد؛ بل إن حاجته إلى الله لا تنحصر في سؤال كيف بدأ وجوده، وإنما تتصل بأصل عدم استقلاله في الوجود.

وحين نتأمل هذا المعنى، نفهم لماذا لا يكفي أن نتخيل الله صانعًا صنع العالم ثم تركه مستقلًا عنه. فالمسألة أعمق من بداية زمنية؛ إنها تتعلق بعلاقة الخالق بالمخلوق من حيث الوجود والافتقار.

لماذا يقودنا هذا إلى التوحيد؟

لقد بدأنا هذه المقالة بسؤال عن الطريقة التي نفهم بها وجود الله، ووصلنا إلى أن الله سبحانه لا يصح أن نتصوره على مثال المخلوقات، أو أن نجعل صفاته خاضعة للحدود نفسها التي نعرفها في أنفسنا. وتأملنا كيف يرتبط معنى الغنى الإلهي بالسؤال عن الحاجة والتركيب، وكيف أن افتقار العالم إلى الله لا يجعله جزءًا من ذاته.

لكن بقي سؤال لا يمكننا تجاوزه: إذا كان الله غنيًا عن كل ما سواه، ولا يعتمد في وجوده على غيره، فماذا يعني أن يكون واحدًا؟

حين نقول إن كتابًا واحد، أو شجرة واحدة، فإننا نتحدث عن العدد. وقد يكون الشيء الواحد مركّبًا من أجزاء كثيرة، وقد يحتاج إلى غيره لكي يبقى على حاله. فهل تكون وحدانية الله من هذا النوع؟ وهل يكفي أن نقول إن الله واحد بمعنى أنه لا يوجد إله ثانٍ، أم أن مفهوم واجب الوجود يفتح لنا طريقًا إلى فهم أعمق للتوحيد؟

إن هذا السؤال ليس انتقالًا إلى موضوع بعيد عما سبق؛ بل هو امتداد طبيعي له. فإذا كان الله لا يحتاج إلى غيره، فكيف نفهم وحدانيته؟ وما علاقة الغنى المطلق بأن تكون وحدانيته مختلفة عن وحدة الأشياء التي نعدّها حولنا؟

في المقالة القادمة، سنقترب من هذا السؤال، ونبحث في معنى التوحيد حين لا يكون مجرد عدٍّ للموجودات، بل تأملًا في حقيقة واجب الوجود وما تقتضيه وحدانيته.

يتبع في المقالة الرابعة: «واحدٌ لا كالأعداد».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds