أقلام

ما وراء الطلب: احتياجٌ يبحث عن قيمة

شكرية الحمادة

ليس كل طلب تحكّمًا، ولا كل عتاب اتهامًا. فكثيرًا ما تخفي الكلمات احتياجات نفسية مثل الأمان، والاهتمام، والتقدير، والانتماء.

قد تطلب الزوجة من زوجها أن يتصل عند تأخره، لا رغبةً في مراقبته، بل بحثًا عن الطمأنينة. وقد تعاتب الأم ابنها لأنها تشتاق إلى قربه، أو تكثر من أسئلة ابنتها خوفًا عليها، بينما تحتاج الابنة إلى الثقة والمساحة الشخصية.

وفي العلاقات بين الأخوات والصديقات، قد يكون الاعتراض نابعًا من الشعور بالتهميش أو الرغبة في علاقة متبادلة. أما في العمل، فقد يخفي تكرار الأسئلة حاجةً إلى الوضوح والتغذية الراجعة، لا ضعفًا في الشخصية.

ومن أمثلة ذلك في جوانب الحياة:

1. قد يطلب الطفل من والده أن يقرأ له قصة قبل النوم، ولا يكون طلبه مجرد رغبة في التسلية، بل تعبيرًا عن حاجته إلى الحنان والاهتمام والشعور بالقرب.

2. قد تكرر الصديقة سؤالها عن سبب عدم دعوتها إلى مناسبة ما، ليس رغبةً في التدخل، بل لأنها تشعر بالحاجة إلى التقدير والانتماء وعدم التهميش.

3. قد يطلب الموظف توضيح المهام أو مراجعة عمله أكثر من مرة، ولا يعني ذلك بالضرورة ضعفًا أو قلة ثقة، بل قد يكون بحثًا عن الأمان المهني والوضوح والرغبة في أداء العمل بإتقان.

فهم الاحتياج لا يعني قبول كل سلوك؛ فالحاجة إلى الأمان لا تبرر تفتيش الهاتف، والحاجة إلى الاهتمام لا تبرر فرض التواصل أو إشعار الآخرين بالذنب. الفرق يظهر في طريقة التعبير، والاستعداد للحوار، واحترام حق الطرف الآخر في الرفض.

عندما يزعجنا طلب ما، يمكن أن نسأل: ما الشعور الذي يقف خلفه؟ وهل أستطيع الاستجابة له دون تجاوز حدودي؟ وقد يكون السؤال الهادئ بدايةً لحوار مختلف:

«أريد أن أفهمك أكثر، هل ما يزعجك هو التصرف نفسه أم الشعور الذي تركه بداخلك؟»

قال تعالى:

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾

فالعلاقة الناضجة لا تقوم على سيطرة طرف واستسلام الآخر، بل على فهم متبادل يقول فيه كل طرف:

«هذه حاجتي، فما حاجتك أنت؟ وكيف نصل إلى حل يحترمنا معًا؟»

أتعلّم أن أسمع ما وراء الكلمات، وأفهم المشاعر دون افتراض النوايا، وأحترم احتياجات الآخرين كما أحترم احتياجاتي وحدودي.

حين نفهم الإنسان من الداخل، تصبح علاقاتنا أكثر وعيًا ورحمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds