لماذا لا نكون جزءًا من الحل؟

أمير بوخمسين
يمكن للإنسان أن يكون صالحًا، ولو كان العالم حوله غير صالح. فالاستقامة ليست لافتة تُعلَّق عند الرخاء، ولا موقفًا يُرفع عند شعورنا بالراحة، إنها قرارٌ ثابت، يختار فيه المرء أن يكون أمينًا حين يكثر الغش، رحيمًا حين تعلو القسوة، نقيَّ اليد والقلب واللسان حين تكثر الموبقات.
نحن نشتكي كثيرًا: من الفوضى، ومن قسوة الناس، ومن ضعف المسؤولية، ومن تدنّي الأخلاق. ثم نبحث عن جهة نُحمّلها تبعات ما نكره: الدولة، المدرسة، الأسرة، المجتمع، الفقر، الزمن… وقد تكون هذه أسبابًا حقيقية. لكن السؤال الذي لا يهنأ ولا يترك لنا مخرجًا هو: أين نقف نحن من كل ذلك؟
ربما نكون، دون أن نشعر، جزءًا من المشكلة. ننشر الفوضى بفعلٍ صغير: نرمي النفايات في الطريق ثم نغضب من اتساخ الشارع. نرفع شعار احترام القانون ثم نطلب لأنفسنا استثناءً. نرى من يحتاج إلى المساعدة فنتركه لغيرنا لأن «الأولى» غيرنا. نلاحظ الخطأ أمامنا فنصمت حتى لا تتحرك مسؤوليتنا، وحتى لا نقع تحت تبعات الموقف.
إن القضية ليست دائمًا في القضايا الكبرى وحدها؛ أحيانًا يصنع المجتمع مشكلاته من تفاصيل تبدو صغيرة. يتأخر الموظف عن عمله لأنه يظن أن غيابه لن يضر أحدًا، فيتسع التقصير كمرضٍ عابر. يضيق السائق برغبة الآخرين في الطريق لأنه مستعجل، فتضيع الحقوق. وتُباع الأخلاق بالتبرير مرة، وبالمصلحة أخرى، حتى يصبح الظلم عادة، ويصبح الكذب طريقًا.
لكن المؤلم أن هذه الأفعال الصغيرة، حين تتكرر من آلاف الناس كل يوم، لا تبقى صغيرة. تتحول إلى فسادٍ جماعي، وإلى قسوة عامة، وإلى لامبالاة تبتلع الضمائر. وحينئذٍ يصدق قولٌ لا بد منه: إننا نُساهم في المشكلة ما دمنا نمارس تفاصيلها.
فليكن لكل إنسان خيارٌ نبيل: أن يعيش صالحًا. لا لأنه عاجز عن غير الصلاح، بل لأنه اختار أن يكون كذلك. إن الله يزن الأعمال لا بالضجيج حولها، بل بما فيها من صدقٍ وخضوعٍ للحق. ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (سورة الأنبياء، الآية 47).
إن المجتمع لا يقوم على الشعارات، بل على سلسلة الأفعال التي يبدأها الأفراد حين يلتزمون أخلاقهم. فلنراجع أنفسنا دائمًا: ما الذي نستطيع إصلاحه؟ أين يمكن أن نوقف سببًا من أسباب الفساد؟ أين نرفع قيمة الحق في سلوكنا اليومي؟
بعض الأجوبة العملية والمباشرة لهذه الأسئلة التأملية تتناسب مع السؤال الذي تتركز عليه الأفعال:
لنحاسب أنفسنا دائمًا: ما الذي نستطيع أن نصلحه؟ أين نضع حدًّا لبذور الفساد؟ وكيف نُظهر قيمة الحق في تصرّفاتنا اليومية؟
لنقف مع ذواتنا وقفة صدق: ما نقطة الخلل التي بأيدينا أن نُصلحها؟ وأين نُعطّل الطريق على الخطأ؟ وكيف نجعل الحق خُلُقًا لا كلامًا؟
سؤالٌ لا بد أن يُسأل كل يوم: ما الذي يمكنني أن أغيّره في نفسي وسلوكي؟ أين أكون سببًا في الفساد فأوقفه؟ وكيف أرفع راية الأمانة والعدل بين الناس؟
لنضع يدنا على موضع الخلل: ما الذي تقع مسؤوليتنا عن إصلاحه؟ أين ننتصر للحق بدلًا من التبرير للباطل؟ وكيف نجعل أخلاقنا اليومية شهادةً صادقة؟
لنمشِ على طريق الإصلاح من الداخل: ما الذي أستطيع أن أُصلحه في عالمي القريب؟ أين أقطع عادةً تُفسد ولا تُصلح؟ وكيف أكون حقًّا جزءًا من الحل؟
فما الذي يمنعنا من أن نكون جزءًا من الحل، ونحاول تطبيق ما ذُكر مسبقًا؟ لسنا مطالبين بأن نصلح كل شيء بمفردنا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (سورة الرعد، الآية 11)، ولا أن نغيّر البلدان أو المؤسسات بين ليلة وضحاها. لكننا مطالبون، بقدر قدرتنا، بأن نُصلح «المساحة» التي تحت يدنا: بيوتنا أقل قسوة، وأعمالنا أكثر أمانة، وعلاقاتنا أصدق صدقًا.




