أقلام

الزهراء (ع) بناء الإنسان وصناعة الأمة

فؤاد الحمود

تحتلُ السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام مكانةً استثنائية في الإسلام، فهي ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله، وزوجة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وأمّ الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام، وسيدة نساء العالمين.

ولم تكن عظمتها مقتصرةً على النسب الطاهر ومكانتها الروحية، بل تجلَّت في أدوار متعددة أسهمت في بناء الإنسان المؤمن، وترسيخ القيم الإسلامية، وحماية الرسالة المحمدية في واحدة من أكثر مراحل التاريخ الإسلامي حساسيةً وخطورة.

إن قراءة أدوار الزهراء عليها السلام كاشفة عن شخصية متكاملة جمعت بين العبادة والوعي، وبين الأمومة والقيادة، وبين العاطفة والموقف، وقدّمت نموذجًا خالدًا للمرأة التي تصنع أثرها في الحياة من خلال الإيمان والبصيرة والمسؤولية.

وقد مثَّلت السيدة الزهراء عليها السلام النموذج الأسمى للارتباط بالله تعالى، فلم تكن عبادتها مجرَّد أداءٍ للواجبات، بل كانت تعبيراً عن معرفة عميقة بالله، وانقطاعٍ إليه، واستشعارٍ دائمٍ لعظمته.

مما جعل اسمها مرتبطاً بالقيام والتهجُّد والدعاء، ومن المعاني العظيمة المنقولة في سيرتها اهتمامها بالدعاء للآخرين وتقديمهم في الدعاء على نفسها، وهو ما يكشف عن سموِّ روحها واتساع دائرة اهتمامها بالناس، كما في رواية الإمام الحسن عليه السلام.

إن دورها العبادي يعلِّم الإنسان أن بناء الشخصية الرسالية يبدأ من الداخل؛ من تزكية النفس، وإخلاص النيّة، ومراقبة الله، وتحويل العبادة إلى طاقةٍ أخلاقية تدفع الإنسان إلى الرحمة والعطاء والثبات على الحق.

فالعبادة في مدرسة الزهراء عليها السلام ليست عزلةً عن الحياة، وإنما هي منبعٌ لإصلاح الحياة.

كما تجلّى أحد أعظم أدوار الزهراء عليها السلام في تأسيس الأسرة المؤمنة، ولم تكن أمومتها مجرّد رعايةٍ جسدية، بل كانت مشروعًا تربوياً متكاملاً أسهم في إعداد شخصيات كان لها أثر عظيم في تاريخ الإسلام.

ففي بيتها تربَّى الحسن عليه السلام على الحلم والإصلاح، والحسين عليه السلام على العزّة والتضحية، وزينب عليها السلام على الصبر والبصيرة والشجاعة في مواجهة الانحراف.

وهنا تتجلّى حقيقة تربوية مهمة: إن صناعة الأجيال لا تبدأ في ساحات الأحداث الكبرى، بل تبدأ في أحضان الأسرة، وفي الكلمات التي يسمعها الأبناء، والقيم التي يشاهدونها، والمواقف التي يعيشونها.

لقد أثبتت الزهراء عليها السلام أن الأسرة الواعية تستطيع أن تصنع شخصيات تتجاوز آثارها حدود الزمان والمكان، وأن الأمومة الواعية ليست دوراً هامشياً، بل هي من أهم ميادين بناء الحضارة.

ولم تنحصر حياة السيدة الزهراء عليها السلام في محيطها الأسري، بل امتدَّ عطاؤها إلى المجتمع، من خلال الإيثار ومواساة المحتاجين والاهتمام بآلام الآخرين.

ويبرز هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾، الإنسان: 8.

وقد ارتبطت هذه الآيات في روايات التفسير بقصة إطعام أهل البيت عليهم السلام للمسكين واليتيم والأسير، بما تجسّده من إخلاص وإيثار.

وهكذا تحوّلت القيم التي حملتها الزهراء عليها السلام إلى درسٍ في التكافل الاجتماعي، يؤكد أن القرب من الله يتجلّى أيضًا في الرحمة بعباده.

ومن أبرز أدوارها عليها السلام موقفها بعد استشهاد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، حين واجهت مرحلةً دقيقةً من تاريخ الأمة، وشهدت تحولاتٍ سياسية واجتماعية عميقة.

وقد عبّرت عن موقفها من خلال خطابها المعروف بـالخطبة الفدكية، التي تناولت فيها قضايا التوحيد والنبوة والقرآن والأحكام الشرعية ومسؤولية الأمة، كما احتجَّت فيها بشأن حقها في فدك.

وتكتسب هذه الخطبة أهميتها من اتساع موضوعاتها، ومن قدرتها على الجمع بين الاستدلال القرآني والوعي التاريخي والتوجيه الأخلاقي.

إن الزهراء عليها السلام لم تتعامل مع الأحداث بوصفها شأناً شخصياً، بل عبَّرت عن رؤيتها لمستقبل الرسالة ومسؤولية المجتمع في حفظ مبادئها.

وهنا يظهر أحد أهم دروس سيرتها: أن الصمت ليس فضيلةً في كل الظروف، وأن المسؤولية الدينية قد تقتضي البيان والاحتجاج وكشف الحقائق، متى كان ذلك واجباً ومؤثراً في حفظ القيم.

ولم يكن حضور السيدة الزهراء عليها السلام في الأحداث التي أعقبت استشهاد أبيها حضوراً عابراً، بل ارتبط بموقفها من مسألة الإمامة وموقع أمير المؤمنين علي عليه السلام في قيادة الأمة.

وقد عبّرت عن موقفها من خلال خطابها وتحركاتها وبيانها لمكانة أهل البيت وحقوقهم ومسؤولية الأمة تجاههم.

ويكشف هذا الدور عن أن الوعي السياسي في المنظور الإسلامي لا يعني التنافس على السلطة، بل يتصل بمسائل الشرعية والعدالة وحفظ الدين وصيانة وحدة المجتمع على أساس الحق.

وقد قدَْمت الزهراء عليها السلام مثالًا للمرأة التي تمتلك وعياً برسالتها التاريخية، فلا تنفصل عن قضايا أمتها، ولا تتخلَّى عن مسؤوليتها عندما تصبح المبادئ موضع اختبار.

ولقد كانت السيدة الزهراء عليها السلام صاحبة بيانٍ وفصاحة، وقد ظهر ذلك في خطبها وكلماتها ومواعظها، التي تناولت العقيدة والعبادة والأخلاق والتشريع وشؤون المجتمع.

ومن أبرز ما يُنسب إليها «مصحف فاطمة»، وهو؛ بحسب الروايات، ليس قرآنًا آخر، ولا يتضمن بديلًا عن القرآن الكريم، بل هو كتاب خاص له وصفه ومضمونه في المرويات.

كما نُقلت عنها كلماتٌ ومواعظ في تهذيب النفس، وحقوق الجار، وأهمية الإخلاص، ومكانة العدل، وارتباط السلوك الظاهري بصفاء الباطن.

وتعد الزهراء عليها السلام نموذجاً متزناً لشخصية المرأة؛ فقد جمعت بين العفة والوعي، وبين العبادة والعمل، وبين المسؤولية الأسرية والحضور الاجتماعي، وبين الرقة في التعامل والصلابة في الموقف.

كما أن الاقتداء بها لا يقتصر على النساء؛ فرجال المجتمع وشبابه ومؤسساته يجدون في سيرتها دروسًا في المسؤولية والنزاهة والإيثار والشجاعة الأخلاقية.

ومن الأدوار المهمة في قراءة سيرتها عليها السلام من خلال بيان مكانة أهل البيت عليهم السلام، والدفاع عن موقعهم في الوعي الديني للأمة.

فقد ارتبطت مواقفها بتأكيد الصلة بين القرآن والعترة، وبالتنبيه إلى أهمية التمسك بالهداية النبوية وعدم فصل المبادئ الدينية عن المواقف العملية.

ومن هنا فإن أعظم وفاءٍ للزهراء عليها السلام هو أن تتحوّل محبتها إلى وعي، ووعيها إلى عمل، ومبادئها إلى أخلاقٍ وسلوك، حتى يبقى نور سيرتها حاضرًا في حياتنا، وهاديًا للأجيال في طريق الإيمان والكرامة والحق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds