طبق سوشي ياباني و فاتورة وقود المطبخ

أمير الصالح
تمهيد
لم أدرك حتى اللحظة السبب الرئيس لأكل أغلب اليابانيين لبعض أطباق الأسماك النيئة (السوشي والساشيمي)، وبعض أطباق اللحم النيئ (باساشي)، أو إعداد بعض الأطباق بطهي خفيف وسريع جدًا (نودل/شابو شابو)، لا سيما أن اليابانيين من أثرى شعوب الأرض. إلا أني مقتنع إلى درجة ما بأن الاقتصاد الفردي لكل شخص يلعب دورًا مهمًا في ذلك الأمر.
مقدمة ١
تاريخيًا، المطبخ الياباني يطهو الطعام جيدًا حتى يكون ناضجًا بشكل جيد، كالشوي والقلي والسلق (تامبورا). ولكن لاحقًا، اشتهر المطبخ ذاته بإعداد أطعمة مثل سمك السلمون وتقديمها كشرائح مع أرز مخلل من غير طهي، كطبق السوشي، وبعض أطباق شرائح الدجاج النيئ في المدن اليابانية. وأدركت لاحقًا أن هناك أسبابًا تاريخية ودينية، وأسبابًا اقتصادية، لذلك التطور في أنماط الطهي باليابان؛ ويرجح البعض تغير أنماط إعداد الطعام الأخيرة لصعود فاتورة وقود الطهي وأزمة تأمين الطاقة باليابان. الفاتورة الباهظة للوقود هناك أدخلت تعديلًا في ذائقة الأكل، وكذلك في سلوك بعض سكان اليابان.
مقدمة ٢
مع كل إعلان دوري للبنك الدولي عن أرقام التضخم في دول العالم، أو إعلان بعض الدول عن إدراج ضوابط اقتصادية، أو إجراءات وقائية، أو إعادة هيكلة أسعار رسوم خدمات المواصلات العامة، أو مراجعة جدول رسوم الدراسات العليا بالجامعات، أو تعديل رسوم خدمات بيع الطاقة والوقود (الكهرباء/البنزين/الديزل) والماء، تتعدد ردود الأفعال بين معظم الناس في مختلف الدول التي حدث فيها ذلك التغيير، لما له من تبعات على جيوب الناس ومدخراتهم. بعض ردود الفعل ناتج عن اختلاف التقييم والتقديرات، فما بين إنسان مبالغ في الأمور، وما بين إنسان غير مكترث، وما بين إنسان متعقل لها، وما زال متحفزًا لإيجاد حلول تقلل أثر قرارات الأمر الواقع.
الحوار
نلاحظ بشكل دوري أن تذاكر السفر وإيجار غرف الفنادق في كل الدول السياحية، مثلًا، تتمرجح أسعارها بين الانخفاض التنافسي الحاد وقت قلة الطلب (الركود)، والصعود التسابقي وقت الذروة على الطلب.
لإجادة صيانة الكرامة المالية، فلا بد من إجادة فن إدارة الأرقام المالية وضبط المشاعر الانفعالية وعقلنة القرارات. على سبيل المثال، قد تحدث للإنسان نشوة لوجود وفرة مالية، فيبني قصرًا أو فيلا ضخمة أكبر من احتياجاته الفعلية. ثم يقوم بتركيب مكيف مركزي لكامل المنزل، مع تركيب إنارات كثيرة وتمديدات مياه وبرك سباحة ونوافير متعددة؛ ولكنه يغفل عن حقيقة عدم حاجته الفعلية لمعظم تلك التجهيزات، سواء في الحاضر أو المستقبل؛ وقد يكون كل ذلك ليس أكثر من بهرجة أو تنافس أو مباهاة أمام البعض ممن يحيطون به. ولاحقًا، يشعر بعضهم، بعد تراكم نفقات فواتير الطاقة والماء والصيانة لذاك القصر/الفيلا الضخمة، بتراكم الضغوط عليهم للسداد.
من أجل السلامة بالمنزل، اتجه معظم موظفي الشركات الصناعية إلى تركيب أفران كهربائية بمطابخ منازلهم، وأنا واحد منهم. والفرن الكهربائي يُعتبر من أكبر مستهلكي الطاقة بالمنزل، وعليه، لا بد من وضعه تحت رادار «جدول توفير الطاقة».
تروح السكرة وتأتي الفكرة
هناك عدد ليس بالقليل من المهندسين الأوفياء من حول العالم طرحوا جملة تصاميم ونماذج وأفكار وتوصيات عن سعة المسكن المناسب والأجهزة الكهربائية المناسبة (فرن/ثلاجة/سخانة/مكيفات سبليت)، وتوصيات تركيب عوازل حرارية طبقًا لحجم كل منزل، بما يناسب حجم أفراد كل أسرة، لاستحصال الكفاءة العالية في توفير الطاقة وتخفيض الاستهلاك للمنافع (utilities) وأعمال الصيانة الدورية، بهدف تقليل التكاليف التشغيلية إلى الحد الأدنى، وتحقيق الأمان النفسي والاستقرار الاجتماعي. إلا أن الأغلب من الناس يتجاهلون تلك التوصيات لأسباب عدة، منها شهوة إرضاء الرغبات وإشباع الشهوات، ورعونة اتخاذ القرارات، وركوب موجات المحاكاة بالآخرين. ولعل أكثر التوصيات التي كانت وما زالت تطرق أذني هي تجنب تركيب وحدات تكييف مركزي لكامل المنزل. كما أن البعض بالغ في النصح، ونادى بتجنب تركيب برك سباحة كبيرة بالمنازل؛ لأنها تستهلك كميات كبيرة من المياه.
الآلة الحسابية
من المهم في أي أمر مادي محسوس أن يتم إخضاعه للحساب المنطقي والرقمي الدقيق. ومن أدوات الحساب المنطقي إخضاع الأرقام للمعادلات، وإعادة القراءة لكل رقم وفاتورة قبل وبعد، وإعادة نمط الاستهلاك تباعًا، وتمحيص أي بند يستنزف الموارد المالية للإنسان (جيبك).
حديثًا، تم إصدار مراجعة لأسعار الخدمات للكهرباء والماء من قبل الوزارة المسؤولة عن ذلك، بعد مخاضات سابقة مثل تطبيق شرائح متعددة. وأحدث هذا الأمر ردود أفعال بين شخص متفاجئ، وشخص متوقع، وشخص لم يستشعر الأمر بعد، وشخص متفهم… إلخ!
أشكر بعض المغردين الإيجابيين ممن أرفقوا حاسبة مبسطة لعمل حساب تقريبي للتكلفة ما بعد التعديلات الجديدة للتعرفة فيما يخص الكهرباء والماء.
كيف تعالج الزيادة في الإنفاق؟
رب الأسرة كالقائد، والقائد لا يغير جواده أثناء احتدام الابتلاء. هناك من الناس، وهم القلة، لديهم بسطة في المال وسعة في الرزق وتعدد في الموارد، ولهؤلاء نقول: زادكم الله خيرًا. وحتماً، نحن وأبناء المجتمع على يقين بأنكم ممن تمدون يد العون والمساعدة، مبادرةً منكم، لمن هم من المحتاجين من أقاربكم وأبناء مجتمعاتكم.
وهناك من الناس، وهم الأغلب، ممن لديهم محدودية في الدخل المالي، ولهؤلاء نقول: يجب السعي لاكتساب مهارات متعددة والانخراط في عدة وظائف تحفظ الكرامة المالية لهم.
وهناك من الناس من هم فقراء ومعدمون، ولهؤلاء يُقال: لا بد من التعفف والسعي الدؤوب لصنع الأفضل. وبالعموم، ينصح الاستشاريون الماليون بتخصيص حساب صندوق احتياطي مالي للطوارئ عند رب كل أسرة لمعالجة أي أمر خارج حسبانه.
الثقافة الأسرية المالية
في عالم مالي متغير ومتبدل بشكل سريع، أضحى من الواجب تسليط الضوء على العوامل الاقتصادية داخل كل بيت، لكي يشارك الأبناء البالغون (فوق ١٨ سنة) جميعًا في تخفيف الضغوط المالية والنفسية على والدهم (والديهما)، وحفظ كرامة أفراد المنزل المالية، وترتيب الأولويات في الإنفاق. فيجب الحد من الطلبات للأطعمة والمشروبات والحلويات عبر التطبيقات المختلفة، ويجب الحد من التردد على المطاعم أو إلغاؤه، وتقليص السفر السياحي غير الضروري، وعدم المبالغة في الولائم، وتجنب أي صورة من صور الهياط في الاستهلاك والملبوس والمشروب.
بشكل عام، كل العادات والأعراف والتقاليد غير المبنية بصورة رصينة، فإنه، طبقًا لمفاهيم عقلائية، يجب إعادة هندستها وعقلنة الإنفاق فيها.
في اليابان، أحدثت أزمة تكاليف الطاقة والوقود وانحسار تدفق الزيت من بعض مناطق العالم تغييرات جذرية وملموسة في المطبخ الياباني وسلوكيات الطبخ، لعل أبرزها:
١. تأثير أزمة الطاقة على طرق الطبخ (كفاءة الاستهلاك)
الاعتماد على الأجهزة الذكية: زاد الاعتماد على قدور (طنـاجر) الضغط الكهربائية (Pressure Cookers) والميكروويف لإعداد الوجبات بشكل أسرع، وتقليل أوقات الغلي الطويل (مثل الصالونة والمرق والشوربات والحساء) التي تستهلك كميات كبيرة من الغاز/الكهرباء.
اختيار حجم أصغر في المكونات الخاضعة للطبخ لإحراز طهي أسرع: بات الطهاة المنزليون باليابان يقطعون الخضار واللحوم والأسماك إلى شرائح رفيعة جدًا، لضمان نضجها في ثوانٍ معدودة أثناء القلي السريع أو التبخير، مما يوفر طاقة بالتشغيل، وتلقائيًا، في فاتورة الوقود.
تبني مبادرة «من المقلاة إلى الطيران» (Fry to Fly): وهذه مبادرة جديدة، وهي تدوير استهلاك زيت القلي لصالح تزويد وقود الطائرات. التفاصيل قد نطرحها يومًا ما.
٢. كيف تغيرت عادات الأكل؟
بدلًا من تغيير درجة نضج الطعام، غيرت العوائل اليابانية نوعية المكونات ومكان تناولها:
أ- الانتقال من أكل المطاعم إلى أكل المنازل (Dining In): تشير الاستطلاعات الإحصائية الحديثة في بعض مدن اليابان إلى أن أكثر من 62% من اليابانيين قلصوا ارتياد المطاعم، وباتوا يطبخون في منازلهم لتوفير النفقات بعد موجة غلاء طالت آلاف السلع الغذائية.
ب- تغيير نوعية اللحوم المستهلكة: بسبب ارتفاع أسعار لحوم البقر الناجم عن تكاليف الشحن والوقود والجمارك والعلف، اتجه المستهلكون اليابانيون إلى شراء لحوم بيضاء أقل سعرًا وحيازتها كشرائح مقطعة بشكل صغير أو مفرومة، كما تم استبدال اللحوم الحمراء الباهظة الثمن والطويلة في مدة الطهي بالدجاج وبعض أنواع الأسماك، ولا سيما في مواسم توافر المعروض منها كبدائل اقتصادية.
ختامًا
في هذه الحلقة، تم تسليط الضوء بشكل أكبر على إدارة فرن المطبخ الكهربائي في ظل الرسوم الكهربائية الجديدة. كما تم في مقال سابق تسليط الضوء على إدارة تشغيل أجهزة التكييف والصيانة الدورية لها لتخفيف العبء المالي للفاتورة الكهربائية.
بالمحصلة، قد يؤذن المؤذن وقد يدخل وقت الصلاة، ولكن الذهاب لأداء الصلاة بشكل جماعي أو فردي، أو عدم إقامة الصلاة مطلقًا، هي مسؤولية الفرد نحو ذاته. والفرد هنا: أنت وهو وهي وأنا ونحن وهم وهن.




