أقلام

لماذا يحب مجتمعنا رجل الدين ويحترمه؟

السيد جواد حسين العبدالمحسن

حين نتحدث عن احترام مجتمعاتنا لرجل الدين، فإننا لا نقصد مطلقًا من ارتدى الزي أو حمل اللقب؛ فليس كل من انتسب لهذا الخط كان أهلًا له.

إنما نقصد رجل الدين الصادق الذي سلك خط الدين الصحيح، وسار على النهج المستقيم، وعرفه الناس بالخُلُق العالي، والقيم السامية، والحكمة، والبصيرة.

نقصد من جعل علمه خادمًا للناس، وكان قريبًا من آلامهم وآمالهم، يمثل الدين في سلوكه ومعاملاته قبل كلامه.

وحين نؤكد على نموذج «رجل الدين الصادق»، فإننا لا ننكر وجود من أساؤوا لهذا الموقع الشريف بتصرفاتهم — وإن كانوا قلة في مجتمعاتنا — سواء ممن اتخذوا الدين مصلحة، أو ممن افتقدوا الحكمة والبصيرة، أو ممن غلّبوا السلوكيات الخاطئة على أمانة الرسالة.

غير أن وعي مجتمعاتنا الفطري كان دائمًا أقوى من هذه الاستثناءات؛ فلم يجعل من خطأ الفرد مقياسًا للمبدأ، بل ميّز بجلاء بين أدعياء هذا الخط وبين رجاله الصادقين.

هذا النموذج الصادق هو من حظي — وما يزال — بمكانة خاصة ومحبة عميقة في قلوب الناس، نراها ونلمسها يوميًا في مجتمعاتنا؛ كالبيوت، والمساجد، والأماكن العامة، كتقدير بالغ من مجتمع واعٍ يعرف أهل الفضل والخير.

إن سر احترام المجتمع لرجل الدين الصادق نابع من أنه يدخل كل بيت ويشارك الناس في تفاصيل حياتهم.

يأتمنه الناس على أقوى العبادات وأجلّها، وهي الصلاة، فيقفون خلفه طائعين مطمئنين لله تعالى.

تراه حاضرًا في لحظات الفرح يبارك الزواج، وفي أوقات الحزن يواسي ويربط على القلوب.

وعندما تختلف الآراء أو تقع المشاكل بين العائلات، يكون هو الشخص الأول الذي يذهب إليه الجميع، يقينًا منهم بحكمته ورغبته الصادقة في الإصلاح.

إنه ليس مجرد شخص يتحدث في الأحكام، بل هو الأخ والمستشار والمرجع الإنساني للجميع.

ولو خلا مجتمعٌ من مجتمعاتنا من وجود رجل الدين الصادق، لأصبح النظر إلى ذلك المجتمع ناقصًا، ولشعر أبناؤه بفراغ روحي وأخلاقي لا يسده أحد.

وعلى مر السنوات، ظهرت محاولات كثيرة تقصدت الإساءة لشخصية رجل الدين، سواء عبر بعض الأعمال الفنية أو عبر منصات التواصل، بهدف تقليل احترامه في عيون الشباب.

لكن هل نجحت هذه المحاولات؟ الواقع يثبت العكس تمامًا.

فالمجتمع بوعيه الفطري يعرف كيف يفرق جيدًا بين من يتخذ الدين شعارًا، وبين الرمز الحقيقي الذي يخدم ناسه بعلم وأخلاق وبصيرة.

وكلما زادت المحاولات لطمس هذه الشخصية، أثبتت الأيام أن حاجة الناس لرجل الدين المخلص لا تقل، بل تزيد.

فاحترام رجل الدين نراه في أبسط تصرفات أبناء المجتمع؛ في المجالس حيث يُقدَّم في الجلسة والكلام تقديرًا لعلمه وأخلاقه، وفي المعاملات حيث يُؤتمن على أموال الخير والصدقات لأنه محل ثقة، وكذلك في الاستشارة حيث يُسمع رأيه باهتمام في القرارات التي تهم الأسرة والمجتمع.

وفي نهاية المطاف، تجد البرهان الساطع على هذه المكانة في لحظات الرحيل؛ حيث ينفجر الحزن والألم الصادق على فقده في قلوب الناس، وترى الحشود الغفيرة التي تتدافع في عزائه وتشييع جنازته، في مشهد وداعي لا يُشترى بمال، بل يصنعه الإخلاص والمحبة المتبادلة.

سيظل رجل الدين الصادق مكرّمًا ومحترمًا في مجتمعاتنا، لأن الناس ترى فيه الأمان والأخلاق، والجسر الذي يربطهم بقيمهم ودينهم.

هي محبة حقيقية تحميها القلوب قبل القوانين، ومكانة أصيلة لا تزيدها الأيام إلا ثباتًا ورسوخًا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى