أقلام

القيادة تبدأ من الداخل

شباب الثبيتي

حينما نتحدث عن القيادة، غالباً ما تتجه

أذهاننا إلى المناصب والصلاحيات والقدرة على توجيه الآخرين، لكن هناك مستوى أعمق من القيادة يسبق كل ذالك: أن يستطيع الإنسان قيادة نفسه أولاً.

فالقيادة الحقيقية لا تبدأ من المكتب، ولا من المسمى الوظيفي، بل من الداخل؛ من القدرة على إدارة الأفكار، وضبط الانفعالات، وتحمل المسؤولية، واتخاذ القرار في الوقت المناسب.

قد يمتلك الإنسان صلاحية إصدار الأوامر، لكنه لا يمتلك بالضرورة القدرة على التأثير.

فهناك فرق كبير بين أن يتبعك الأخرون لأن النظام يفرض عليهم ذلك، وبين أن يتبعوك لأنهم يثقون بك ويحترمون أسلوبك ويرون في سلوكك قدرة تستحق الاقتداء.

ومن هنا يرتبط تطوير الذات بالقيادة ارتباطاً وثيقاً؛ فكل مهارة يطورها الانسان في نفسه تنعكس بطريقة أو بأخرى على قدرته في التعامل مع الآخرين.

عندما يتعلم الإنسان الإنصات، يصبح أكثر فهماً لفريقه.

وعندما يطور ذكاءه العاطفي، يصبح أكثر قدرة على التعامل مع الاختلافات.

وعندما يتقن إدارة وقته، يصبح أكثر تنظيماً.

وعندما يتعلم التحكم في انفعالاته، يصبح أكثر اتزاناً عند مواجهة الأزمات.

إن أصعب اختبار للقائد لا يظهر عندما تسير الأمور كما خٌطط لها، وإنما عندما تتعقد الظروف وتزداد الضغوط.

ففي تلك اللحظات تظهر قدرته على قيادة ذاته قبل فريقه.

تخيل مسؤولاً يواجه خطأ من أحد أعضاء فريقه.

يمكنه أن يتعامل معه بانفعال وغضب، وقد يحصل بذلك على استجابة سريعة، لكنه ربما يخسر الثقة.

وفي المقابل، يستطيع أن يفهم أسباب الخطأ، ويعالجه بحزم وهدوء، ثم يحوله إلى فرصة للتعلم ومنع تكراره.

كلاهما مارس السلطة، لكن أحدهما أدار الموقف، والآخر قاد الموقف.

 

 

والقيادة من الداخل تعني كذلك أن يتحمل الإنسان مسؤولية قراراته.

فالقائد الناضج لا يبحث دائماً عن شخص يحمله مسؤولية الإخفاق، بل يسأل نفسه أولاً: ماذا كان يمكنني أن أفعل بطريقة أفضل؟

هذا السؤال وحده قادر على صناعة فارق كبير؛ لأنه ينقل الإنسان من دائرة تبرير الأخطاء إلى دائرة التعلم منها.

كما أن القائد الذي يسعى إلى تطوير الآخرين دون أن يطور نفسه قد يجد بعد فترة أن أدواته القديمة لم تعد مناسبة للمتغيرات الجديدة.

فالقيادة رحلة تعلم مستمرة، وكل مرحلة تحتاج إلى مستوى جديد من الوعي والمعرفة والمرونة.

لذلك، إذا أردت أن تعرف مستوى قيادتك، فلا تنظر فقط إلى عدد الأشخاص الذين يعملون معك، بل انظر إلى قدرتك على إدارة نفسك عندما تغضب، وعلى الالتزام عندما يغيب الحماس، وعلى الاعتراف عندما تخطئ، وعلى الثبات عندما تزداد الضغوط.

وفي الختام قبل أن تسأل كيف تقود الآخرين، اسأل نفسك:

كيف أقود ذاتي؟

فمن يتعلم قيادة نفسه، يصبح أكثر قدرة على فهم الآخرين والتأثير فيهم.

وكلما تطورت الذات، نضجت معها القيادة؛ لأن القيادة الحقيقية ليست سيطرة على الآخرين، بل مسؤولية تبدأ من الداخل، ثم يظهر أثرها فيمن حولنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds