أقلام

الولاية سرّ الامتحان الإلهي

أحمد الطويل

مقدّمة:

ليست أخطر لحظات التاريخ حين يُكذَّب نبيّ، ولا حين يُحاصَر وليّ، بل حين يُعاد المشهد نفسه جيلًا بعد جيل ولا يدرك الناس أنهم يُمتحنون في السؤال ذاته. كل جيل يُمتحن في قلبه، وكل قلب يُختبر قبل أن يُسأل عن أفعاله.

إنها ليست قضية أسماءٍ وأعمار، بل قضية ميزانٍ إلهيٍّ خفيّ: من يكون حجّة الله في الأرض؟ ومن يُسلِّم له قلبه قبل أن يُسلِّم له عقله؟

منذ أن وقف نبيّ الله صالح عليه السلام في قومه قائلاً: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾، كان الامتحان واحدًا: أيسلّمون للحقّ لأنه حقّ، أم يرفضونه لأنّه جاء من غير مقاييسهم؟

اعترضوا عليه لأنّه سفّه آلهتهم، ولأنّه دعاهم إلى ما لم يألفوا، ولأنّ فيهم من هو أكبر سنًّا منه. ولكن السماء كانت قد حسمت المعيار: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

فالميزان ليس العمر، بل القرب من الله. وهكذا بدأ سرّ الامتحان الإلهي، الولاية.

من صالح إلى خاتم النبيّين: المعيار لا يتغيّر

تكرّر المشهد في عهد رسول الله محمد صلى الله عليه وآله.

كيف يُقدَّم عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وهو أصغر كثيرٍ من الصحابة سنًّا، وليًّا للمؤمنين؟

ولكن الوحي لم يجعل السن أو القوة معيارًا للاختيار والولاية، بل جعل العلم والطهارة والاصطفاء أساسًا للولاية والقيادة الروحية للأمة.

فقد جاء في القرآن الكريم: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾.

وقد أجمع مفسّرو الإمامية على نزولها في حق أمير المؤمنين عليّ عليه السلام.

ويؤكد الإمام الصادق عليه السلام أن اختيار الله لعلي عليه السلام لم يكن بمحض الصدفة أو بحسب معايير بشرية، بل نتيجة علمه الكامل وتقواه واصطفائه من قبل الله.

هذا التوضيح يكشف فلسفة عميقة تتجاوز المظاهر: الولاية الإلهية مرتبطة بالقدرة على معرفة الحق والعمل به، وليس بالعمر أو المنصب أو القوة الاجتماعية. وهذا المبدأ كان محور مواجهة الأنبياء لأقوامهم، كما حدث مع نبي الله صالح عليه السلام، واستمر في اختيار الأولياء والصالحين عبر كل الأزمنة، حتى جسده الإمام الحسين عليه السلام في زمن الظلم، مؤكدًا أن ولاية الله واصطفاؤه للعباد الصالحين هي السبيل للحياة الروحية والحق الاجتماعي.

الولاية في ميزان العقل: من الإمكان إلى الفيض

الإنسان في فلسفة الإمامية موجودٌ ممكن، وكلّ ممكنٍ فقير لا يقوم إلا بفيض الواجب.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.

الفيض الإلهي ليس وجودًا ماديًا فقط، بل هداية أيضًا. لأن الوجود بلا هداية نقص، والنقص لا يُنسب إلى الواجب المطلق. فإذا كان الله قد أتمّ حجّته بإرسال الأنبياء، فإن مقتضى حكمته أن لا يترك الأرض بلا حجّة بعد خاتم النبيين.

ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: “لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت”.

كما قال الإمام الرضا عليه السلام: “الإمام أمين الله في أرضه وحجته على عباده”.

فالولاية ليست منصبًا سياسيًا، بل ضرورة عقلية لحفظ نظام الهداية. كما لا يستغني الممكن عن الواجب في أصل وجوده، لا يستغني المجتمع عن الإمام في كمال وجوده المعنوي.

الامتحان يتكرّر: الحسين شاهدًا

في يوم عاشوراء، وقف الإمام الحسين عليه السلام يخاطب القوم: “ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة”.

قالوا له: لو كان الحق معك لما اجتمع الناس على غيرك.

هو السؤال ذاته الذي وُجّه إلى النبي صالح، وإلى الإمام علي عليه السلام، وإلى كلّ إمام بعدهم.

لكن كثرة الأتباع ليست معيار الحق، لأن القرآن حسمها: ﴿إِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾.

الولاية إذن امتحانٌ يتكرّر، لا في المبدأ، بل في التسليم.

المناجاة: حين يتحوّل الاعتراف إلى ولاية

الاعتراف بضعف الإنسان وفقره أمام عظمة الخالق هو الخطوة الأولى نحو الولاية الحقيقية. فكما أن النفس لا ترتقي إلا حين تدرك محدوديتها، فإن الاعتراف بالحقّ هو التمهيد للارتباط بالوليّ المختار الذي يجسّد إرادة الله في العالم.

في شهر رمضان، يكفي أن يعترف الإنسان بفقره أمام خالقه، وأن يخصّ نفسه وردًا من لياليه للعبادة والتأمل والشكر، لأن هذا الاعتراف المتجدّد هو الطريق الأوّل للارتباط بالولاية، والولاية ثمرة الاعتراف.

كما تبيّن مناجاة الزاهدين كيف يتحوّل الاعتراف بالفقر والخطر والغدر في هذه الدنيا إلى انقطاع كامل إلى الله وطلب الهداية والحماية والزاد الروحي: “إلهِي أَسْكَنْتَنا داراً حَفَرَتْ لَنا حُفَرَ مَكْرِها. وَعَلَّقَتْنا بِأَيْدِي الْمَنايا فِي حَبائِلِ غَدْرِها… وَأَذْقْنا حَلاوَةَ عَفْوِكَ، وَلَذَّةَ مَغْفِرَتِكَ، وَأَقْرِرْ أَعْيُنَنا يَوْمَ لِقآئِكَ بِرُؤْيَتِكَ…”

الاعتراف هنا ليس شعورًا سطحيًا، بل مدخل فلسفي وروحي لفهم طبيعة الكون، واستشراف الدور الإلهي للوليّ في إقامة العدل والهداية.

الخلاصة:

التاريخ ليس مجرد سردٍ للأحداث، بل امتحان مستمرّ للقلوب والعقول. من صالح عليه السلام، إلى محمد صلى الله عليه وآله، ومن عليّ إلى الحسين، وإلى قائم آل محمد عليه السلام، السؤال واحد: هل تُسلّم للحقّ لأنه حقّ، أم تُقَيَّد بمعايير البشر؟

الولاية ليست مجرد لقب أو منصب، بل رابط جوهري بين الإنسان وخالقه، جسرٌ يربط الإمكان بالوجوب، والضعف الإنساني بالفيض الإلهي، والاعتراف بالحقّ بالالتزام العملي. هي اختبار مستمرّ للقلوب، فإذا ارتبطت بالولي المختار، تتحوّل المعرفة إلى عمل، والإيمان إلى حياة، والهداية إلى واقع ملموس.

فكر في قلبك: لو تكرّر المشهد اليوم… هل ستقف مع الحقّ رغم قلة الأنصار وكثرة المعارضين؟ أم سيغريك صوت الجموع وتضيع الحقيقة؟

الولاية إذن ليست اختيارًا، بل مصير. ومن يفهمها ويمارسها، يعرف أن طريقه إلى الله لا يكتمل إلا بالارتباط بحجّة الله على الأرض، الذي هو سرّ استمرار الهداية وعمود النظام الإلهي في الكون.

اللهم يا من جعلت الولاية سرّ الهداية، وثبّت بها أقدام أوليائك، اجعل قلوبنا منقادةً لحججك، عارفةً بفقْرها إليك، ثابتةً على طريق أوليائك، ولا تجعلنا ممن يرى الحقّ فيعرض عنه، أو يعرف الحجّة فيجحدها.

المصادر:

القرآن الكريم:

هود: 61

الحجرات: 13

المائدة: 55

فاطر: 15

الأنعام: 116

الكتب والروايات:

الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، ص179؛ ص200، دار الكتب الإسلامية.

الشيخ الصدوق، الأمالي، ص125.

الشيخ الطوسي، الأمالي، ص261.

علي بن إبراهيم القمي، تفسير القمي، ج1، ص168.

الطبرسي، مجمع البيان، ج3، ص144.

السيد ابن طاووس، اللهوف على قتلى الطفوف، ص56.

الإمام زين العابدين عليه السلام، الصحيفة السجادية، ملحق المناجاة، المناجاة الخامسة عشرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى