
طالب البقشي
حينما نستعرض تاريخ الأحساء بشكلٍ منهجي ومتسلسل _كما ينظر له الباحثون والمؤرخون _ فأننا نستقرئ التحولات لمسميات الأحساء الجغرافية والتاريخية ضمن التسلسل الزمني وحقبات التاريح من (هَجَر – البحرين التاريخية – الأحساء) بين العصر القديم والحديث، ونستنتج أن التوثيق لتاريخ الأحساء مر بمراحل من المتغيرات والأطوار التاريخية المتعاقبة التي يتضح من خلالها أهمية تتبع التحول في مسميات الأحساء للنظر بشمول وعمق لتاريخ الأحساء.
ومر توثيق تاريخ الأحساء في أطواره التاريخية بمراحل متعددة على النحو التالي:
أولًا: مرحلة الرواية الشفوية (ما قبل التدوين) في هذه الفترة التاريخية نشأة الرواية الشفوية متأثرة بجغرافيا الأرض كمحرك سردي في القرن الأول الهجري تقريبًا وكان الاعتماد على المشافهة كأخبار العشائر، الأنساب، الوقائع، أسماء المواضع وتناقل هذا التاريخ عبر طرق متعددة، منها الشعر الجاهلي والإسلامي، وضمن هذه الفترة ما تناقلته ألسن الشعراء في شعر العصر الجاهلي عن المشقَّر، فقد ورد اسم المشقَّر أكثر من عشرين مرَّة في قصائد ومقطوعات شعرية ومنها بيت للشاعر أبي ذؤيب الهذلي الذي قال فيه:
حَتَّى كَأَنِّيَ لِلْحَوَادِثِ مَرْوَةٌ بِصَفَا المُشَقَّرِ كُلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ
وتارة عبر أخبار النسّابين وأخرى من خلال روايات كبار السن ولم يكن في هذه المرحلة كتابة تاريخ محلي، بل حفظ في الذاكرة الجمعية، وهذه المرحلة هي الأساس الذي بُني عليه التدوين اللاحق، ولكنها مرحله تاريخية أكثر عرضة للفقد والنسيان.
ثانيًا: مرحلة التدوين العام غير المحلي وابتدأت هذه المرحلة التاريخية من القرن الثالث إلى القرن الثامن الهجري حيث ذُكرت الأحساء ضمن كتب التاريخ العام وكتب الجغرافيا والبلدان ولم يكتبها أحسائيون، بل مؤرخون من خارج الإقليم. وفي هذه الفترة ذكرت الأحساء في الكثير من المصادر باسم هَجَر أو البحرين والتركيز على المواقع والموارد (العيون – الزراعة) كما كتب في كتاب تاريخ الأمم والملوك للطبري، وكذلك في كتاب صفة جزيرة العرب للهمداني الذي “توفي 334 هـ” حيث إنه وثق بأن هَجَر مدينة رئيسة في البحرين، وفي كتاب التنبيه والإشراف للمسعودي ” 346هـ” وفي كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير ” 388هـ” وذكرت في معجم البلدان لياقوت الحموي الذي “توفي 626 هـ” وذكر أن ” هَجَر” اسم بلدٍ بالبحرين، وهي أعظمُ قراها، وقاعدتها، وأهلُها أكثر من أهل جميع القرى، ولها نخيلٌ كثيرة وفي كتاب تاريخ ابن خلدون “808هـ” وفي كتاب اتعاظ الحنفا للمقريزي ” 845هـ “.
ثالثًا: بداية مرحلة التدوين الأدبي والاجتماعي المحلي (بدايات التوثيق الأحسائي) في القرن السابع، وأنتج في هذه الحقبة التاريخية «ديوان علي بن المقرب العيوني» (القرن السابع الهجري) ويعد من أبرز المراجع الأدبية والتاريخية التي توثق أدب وأحوال المنطقة في تلك الحقبة، حيث سجلت أشعاره وقائع تاريخية دقيقة لإقليم البحرين (هجر)، وما حولها إلا أن هناك ندرة في الكتابة عن ” تاريخ الأحساء”.
رابعًا: مرحلة توسع التدوين المحلي من القرن الثامن إلى الثاني عشر الهجري. في هذه المرحلة العلماء المحليون وثقوا الأطروحات العلمية والفكرية والفقهية وظهور المخطوطات المحلية وهذه المرحلة تُعد الفترة الخصبة لما دون محليًّا، مثل مخطوط كاشفة الحال عن أحوال الإستدلال فرغ منه في عام 888 هجري للشيخ ابن أبي جمهور الأحسائي، ومخطوط المجلي لمرآة المنجي فرغ منه في عام 895 هجري ومخطوط الرحمة والحكمة في الطب عام 942 هجري لكاتبه أحمد بن علي بن أبراهيم بن أبي جمهور الأحسائي. وهذه مصادر تعكس طبيعة البيئة الدينية والمدارس العلمية والفقهية.
خامسًا: مرحلة التدوين المتأخر لتاريخ الأحساء، وهذه المرحلة تبدأ في القرن الثاني عشر إلى أواسط القرن الثالث عشر الهجري. وفي هذه المرحلة التاريخية برز فيها ظهور التوثيق في السجلات الرسمية والوقفيات والمراسلات والسجلات الشرعية العثمانية.
سادسًا: مرحلة البحث الأكاديمي “الحديث ” لتاريخ الأحساء وتراثها، وفي هذه المرحلة من القرن الرابع عشر الهجري انتقل فيها التوثيق من السرد التاريخي إلى مرحلة التحليل والتحقيق وظهور مناهج التاريخ المقارن ورسائل جامعية ودراسات تحقيق ومخطوطات أحسائية ونقد الروايات التاريخية القديمة والبحث في المتغيرات التاريخية والجغرافية لتاريخ الأحساء قديمًا وحديثًا، والبحث في مسميات هَجَر والأحساء والبحرين التاريخية. وضمن هذه الفترة المعاصرة دون الكثير من الكتب النفيسة ومنها كتاب الحياة الإدارية في سنجق الإحساء العثماني (1871-1913) للكاتب محمد حسن العيدروس وكتاب الأحساء دراسة جغرافية للكاتب عبدالله احمد طاهر وكتاب الآثارالإسلامية بقرية البطالية المنطقة الشرقية: دراسة في آثارها وعلاقتها بمدينة الأحساء التاريخية للكاتب فهد بن علي حسين وكتاب الأحساء دراسة جغرافية للكاتب عبدالله أحمد طاهر وكتاب هجر واحة الشعر والنخيل للكاتب عبدالله الشباط وكتاب تاريخ هجر دراسة شاملة تأليف عبدالرحمن آل ملا جزءان وكتاب معجم نساخ الكتب في الاحساء تأليف عبدالله بن عيسى الذرمان ( القرن 11-14 ). ومن تلك الدراسات كتاب الأحساء في القرن الثاني عشر الهجري وهو رسالة ماجستير للدكتور خلف بن ذبلان الوذيناني.
ومن خلال هذا العرض التاريخي التقريبي والبحث المبدئي لمراحل توثيق تاريخ الأحساء فأننا نخط ونرسم في الأذهان ملامح وتصور تقريبي لمراحل توثيق تاريخ الأحساء الممتد خلال القرون الماضية، التي على أثرها تمكن الباحث وطالب العلم والأكاديمي
من بناء بحث معمق ودقيق برؤية أوسع تتناول كل تفاصيل هذه المراحل.




