أقلام

لماذا بعض الناس أكثر قابلية للتأثر بالانفعالات السلبية من غيرهم؟

المترجم : عدنان أحمد الحاجي

كان هذا السؤال محور دراسة أجراها باحثون من المعهد المركزي للصحة النفسية، للتعرف على الأسباب العصبية التي تجعل بعض الناس أكثر قابلية للتأثر بالانفعالات السلبية مقارنةََ بغيرهم،

تشير دراسة دولية قادها المعهد المركزي للصحة النفسية (CIMH) إلى أن اللوزة الدماغية، التي كان يُعتقد سابقًا أنها تلعب الدور الرئيس في القلق والتوتر، لا تفسر سبب كون بعض الناس أكثر عرضة للقلق والهم والضغط النفسي من غيرهم، الذين يبقون أكثر هدوءًا واتزانًا عند تعرضهم لمثل هذه العوامل. وبدلًا من ذلك، وجد باحثون أن شبكات دماغية مسؤولة عن الوعي الجسدي (الإحساس الداخلي بمكان وجود أعضاء الجسم، وكيف تتحرك في الفراغ، والأحساس بها، حتى دون الحاجة إلى النظر إليها)، والتحكم في الحركة، ومعالجة المعلومات البصرية (تفسير الدماغ لما تراه العينان وفهم ما يحدث في المحيط)، هي الأكثر ارتباطًا بالتنبؤ بمدى قابلية الأشخاص للتعرض للتوتر والقلق والهم، وليست منطقة اللوزة الدماغية كما كان يُعتقد سابقًا.. بعبارة أبسط: وجد الباحثون أن طريقة تواصل هذه الشبكات الدماغية معًا قد تفسر لماذا يكون بعض الناس أكثر عرضة للقلق والتوتر من غيرهم. وقد نُشرت نتائج الدراسة (1) في مجلة Nature Communications

ظلت اللوزة الدماغية محور الاهتمام على مدى عقود مضت

يختلف الناس بشكل كبير في مدى استمرار وشدة شعورهم بالانفعالات السلبية؛ فبعضهم يشعر بالقلق أو الحزن أو التوتر كثيرًا وبشدة، بينما يمر بها آخرون بشكل أقل شدةََ وتواترََا وتكون أخف تأثيرًا عليهم. ويصف علماء النفس هذه الفروق بمصطلح العُصابية (2)، وهي سمة شخصية تتضمن الميل إلى القلق، والمزاج الاكتئابي، ومستوى القابلية المرتفع للتأثر بالتوتر. وتُعد المستويات المرتفعة من هذه الانفعالات السلبية عامل احتمال رئيس للإصابة بعدة اضطرابات نفسية، ولذلك ظلت محورًا للدراسات في علم الأعصاب لسنوات طويلة. وكان يُعتقد حتى حينه أن اللوزة الدماغية هي أهم منطقة في الدماغ تقف وراء هذه السمات الشخصية، إلا أن الأدلة العلمية بشأن هذا الاعتقاد كانت متضاربة وغير حاسمة.

قال الدكتور ماوريتسيو سيكوريليو (Maurizio Sicorello) المؤلف الأول للدراسة والباحث في المعهد المركزي للصحة النفسية، إن اللوزة الدماغية كانت تُعد لسنوات طويلة المحور الرئيس للانفعالات السلبية، إلا أن نتائج هذه الدراسة أثبتت أن هذا الافتراض لم تؤكده حتى الآن اختبارات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي المستخدمة؛ كما أوضح أن ذلك لا يعني أن اللوزة الدماغية ليست مهمة في معالجة الانفعالات، بل يعني أنها لا تبدو تفسيرًا موثوقًا للفروق الثابتة بين الناس في مدى قابليتهم للتأثر بالانفعالات السلبية. حيث يكونون أكثر قابلية للقلق والتوتر والحزن من غيرهم على الدوام. أي أن وجود اختلافات ثابتة بين الناس في التأثر بهذه الانفعالات السلبية لا يمكن تفسيرها بالاعتماد على اللوزة الدماغية وحدها.

أدوار شبكات دماغية جديدة بدأت في التكشف.

تشير نتائج الدراسة إلى أنه بدأت تتضح أهمية شبكات دماغية جديدة في تفسير الفروق في السمات الشخصية الانفعالية بين الناس. وللوصول إلى هذه النتائج، حلّل الباحثون نشاط أدمغة أكثر من 400 مشارك أثناء خضوعهم لمهام انفعالية معتمدة، مثل مشاهدة صور لوجوه تُظهر انفعالات سلبية، مثل الخوف أو الغضب أو الحزن، بالإضافة إلى صور لمشاهد مزعجة أو مؤلمة أو مثيرة للانفعالات السلبية، وذلك لتحفيز استجابة انفعالية لدى المشاركين وتمكين الباحثين من قياس نشاط الدماغ باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) أثناء معالجة المشاركين لهذه المثيرات الانفعالية.  وذلك لتحديد مناطق الدماغ القادرة على التنبؤ بالاختلافات الفردية في سمات الشخصية الانفعالية: أي الخصائص أو الميول الانفعالية الثابتة نسبيًا التي تميز الشخص، مثل مدى ميله إلى القلق أو التوتر أو التعرض للانفعالات السلبية أو الإيجابية. كما استخدموا أحدث تقنيات التعلم الآلي، بالإضافة إلى استخدام الباحثين عينة مختلفة تمامََا من المشاركين بعد انتهاء التحليل الأول لتكرار التجربة للتحقق من النتائج وللتأكد ما إذا كانت نفس النتائج ستكرر مرة أخرى، ما يزيد من موثوقية النتائج وصحتها ويقلل من احتمال ألا تكون النتائج الآولية جاءت بمحض الصدفة.

أثبتت النتائج أنه لم يكن من الممكن التنبؤ بدرجة العصابية لدى الشخص بشكل موثوق اعتمادًا على نشاط الدماغ، لكن أمكن التنبؤ، بدرجة محدودة، بمدى قابليته للتأثر بالضغوط النفسية. وتبين أن شبكات الدماغ المسؤولة عن معالجة الوعي الجسدي، والتحكم في الحركة، ودمج المعلومات البصرية (دمج المثيرات البصرية القادمة من المشاهد والصور التي تراها العين وتحليلها وربطها معًا حتى يتمكن الدماغ من فهمها وتفسيرها بصورة متكاملة) كانت الأكثر علاقةََ بهذه النتائج. في حين لم تكن مراكز او شبكات معالجة الانفعالات (ومنها اللوزة الدماغية، المسؤولة عن معالجة الخوف والتهديد، والجزيرية، التي تساعد على إدراك الأحاسيس الداخلية المرتبطة بالانفعالات، والقشرة ما قبل الجبهية التي تسهم في تنظيم الانفعالات والتحكم فيها)، التي كانت محور الاهتمام في السابق، ولكنها لم تكن الأكثر قدرة على تفسير أو التنبؤ بالفروق بين الأشخاص في مدى قابليتهم للتعرض للانفعالات السلبية، مثل التوتر والقلق والهم، رغم أنها كانت تُعد سابقًا المسؤولة عن ذلك. بل إن شبكات دماغية واسعة النطاق قدمت أقوى مؤشرات على التنبؤ بالاختلاف بين الأشخاص في مدى استعدادهم للتأثر بالانفعالات السلبية، مثل التوتر والضغوط النفسية.

تبين أن الدماغ لا يعتمد على منطقة واحدة فقط معزولة تعمل لوحدها، مثل اللوزة الدماغية، لمعالجة الانفعالات، بل تعتمد على عدة مناطق، منها مسؤولة عن الإدراك الحسي، وأخرى عن الوعي الجسدي وأخرى عن التخطيط للاستجابة أو السلوك المناسب، حيث تعمل وتتعاون معًا بمثابة شبكة واحدة وتتبادل المعلومات بينها باستمرار. وهذا ما يفسر بدرجة كبيرة لماذا يكون بعض الناس أكثر احتمالََا للتوتر والقلق من غيرهم،

تشير النتائج إلى أن الأساس العصبي للسمات الشخصية الانفعالية أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد سابقًا. فبدلًا من أن تعتمد هذه السمات على مناطق دماغية معزولة تعمل كل منها بمفردها، مثل اللوزة الدماغية، يبدو أن لشبكات دماغية واسعة النطاق تربط بين الإدراك الحسي لما يجري في المحيط، والوعي الجسدي، والتخطيط للحركة دور حاسم في تحديد الفروق بين الأشخاص في استجاباتهم الانفعالية.

يلاحظ أن التخطيط للحركة يتضمن استعداد الدماغ وقراره بكيف سيتصرف أو يستجيب قبل تنفيذ أي حركة.، أو اختيار الاستجابة المناسبة. وفي هذا السياق تسهم الشبكات الدماغية، التي تُخطط للاستجابات والسلوكيات، في كيف يتعامل المرء مع الضغوط النفسية والانفعالات الأخرى، وليس فقط الشبكات المسؤولة عن معالجة الانفعالات نفسها. حيث كانت هذه المناطق تُعد سابقًا الأكثر أهمية في تفسير القلق والتوتر، لكن الدراسة تشير إلى أن شبكات دماغية أوسع تعمل معًا قد تكون أكثر قدرة على تفسير الفروق بين الأشخاص في استجاباتهم الانفعالية.

وخلصت الدراسة إلى أن شبكات دماغية واسعة مسؤولة عن الإدراك والإحساس بالجسم والتخطيط للاستجابة قد تكون أكثر أهمية من مناطق معالجة الانفعالات وحدها في تفسير هذه الفروق في الشخصية الانفعالية.

الهوامش

1- https://doi.org/10.1038/s41467-026-74565-0

2- https://ar.wikipedia.org/wiki/عصابية

المصدر الرئيس

https://idw-online.de/en/news874466

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds