
د. حجي الزويد
من أعظم ما يميز الحضارة الإسلامية أنها قامت على العلم والحوار، ولم تجعل طلب المعرفة عمليةً جامدة تقوم على التلقي السلبي، وإنما شجعت على السؤال، والمناقشة، والتفكر، والتدبر، حتى أصبح الحوار العلمي أحد أهم وسائل نمو المعرفة وتطورها. وقد أدرك الإمام علي (عليه السلام) هذه الحقيقة مبكرًا، فدعا إلى الإكثار من مناقشة أهل الورع والحكمة، لأن الإنسان لا ينمو فكريًا بمجرد امتلاك المعلومات، وإنما ينمو عندما يعرض أفكاره على العقول الناضجة، ويستمع إلى الآراء المختلفة، ويصحح ما قد يقع فيه من نقص أو خطأ.
قال الإمام علي (عليه السلام):
«جالِس أهلَ الوَرَعِ والحِكمَةِ، وأكثِر مُناقَشَتَهُم، فإنَّكَ إن كُنتَ جاهِلًا عَلَّموكَ، وإن كُنتَ عالِمًا ازدَدتَ عِلماً.» [١]
إن هذه الوصية ليست توجيهًا عابرًا، بل هي منهج متكامل لبناء العقل، وتربية النفس، وتكوين الشخصية العلمية التي تبحث عن الحقيقة قبل أن تبحث عن الانتصار لرأيها.
لماذا دعا الإمام إلى كثرة المناقشة؟
لم يقل الإمام (عليه السلام): “اسمع العلماء” فقط، بل قال:
«وأكثِر مُناقَشَتَهُم.»
وذلك لأن المناقشة تمثل مرحلة أعلى من مجرد الاستماع؛ فهي تعني مشاركة العقل في عملية التعلم، وإثارة الأسئلة، ومراجعة الأفكار، وتحليل الأدلة، والتأكد من صحة الفهم.
فالإنسان قد يسمع معلومة فيفهمها على غير وجهها، ولكنه عندما يناقشها مع أهل العلم تنكشف له أبعادها، وتتضح له معانيها، ويستطيع أن يميز بين الرأي والدليل، وبين الحقيقة والانطباع.
ولهذا فإن التعليم القائم على الحوار يبقى أثره في النفس والعقل أطول من التعليم القائم على الحفظ المجرد، لأن الإنسان يشارك بنفسه في الوصول إلى المعرفة.
اختيار أهل الورع والحكمة
لم يدع الإمام إلى مناقشة أي إنسان، وإنما خصَّ بالذكر أهل الورع والحكمة.
فالورع يمنع العالم من أن يتكلم بغير علم، أو أن يتبع الهوى، أو أن يجعل العلم وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية.
أما الحكمة فهي حسن توظيف العلم، ووضع الأمور في مواضعها، ومعرفة متى يتكلم الإنسان، وكيف يتكلم، وما الذي يناسب كل موقف.
وقد يجتمع العلم مع قلة الحكمة، فيضر صاحبه أكثر مما ينفعه، لكن إذا اجتمع العلم مع الورع والحكمة أصبح مصدرًا للهداية والإصلاح.
ولهذا فإن اختيار المعلم لا يقل أهمية عن اختيار العلم نفسه، لأن الإنسان يتأثر بأخلاق معلمه كما يتأثر بمعرفته.
المناقشة طريق الجاهل إلى المعرفة
يقول الإمام (عليه السلام):
«فإنَّكَ إن كُنتَ جاهِلًا عَلَّموكَ.»
وهذه العبارة تربي الإنسان على فضيلة عظيمة، وهي الاعتراف بالحاجة إلى التعلم.
فالجهل ليس عيبًا، وإنما العيب أن يبقى الإنسان جاهلًا وهو يرفض السؤال أو يخجل من طلب العلم.
ولذلك كان القرآن الكريم يجعل السؤال طريقًا إلى المعرفة، فقال تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [٢]
فالسؤال الصادق يفتح أبواب العلم، ويختصر سنوات من التجربة والخطأ، ويجنب الإنسان الوقوع في كثير من الأخطاء.
ومن هنا كان العلماء يعدون حسن السؤال نصف العلم، لأن السؤال الجيد يكشف مواضع الجهل، ويفتح الطريق إلى الفهم الصحيح.
العالم الحقيقي لا يتوقف عن التعلم
ويقول الإمام (عليه السلام):
«وإن كُنتَ عالِمًا ازدَدتَ عِلمًا.»
وهذه من أعمق العبارات في فلسفة العلم.
فالإنسان كلما ازداد علمًا أدرك اتساع ما يجهله، ولذلك يبقى العالم الحقيقي طالبًا للعلم حتى آخر لحظة من حياته.
وقد كان كبار العلماء يحضرون مجالس من هم أصغر منهم سنًا إذا وجدوا عندهم علمًا أو تجربة جديدة، لأنهم كانوا يرون أن الحقيقة أكبر من الأشخاص، وأن الحكمة قد يجدها الإنسان عند أي باحث مخلص.
ولهذا قال تعالى:
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [٣]
فالعالم الذي يظن أنه بلغ نهاية العلم يتوقف عن النمو، أما الذي يدرك أن المعرفة بحر لا ساحل له، فإنه يظل في ازدياد مستمر.
الحوار العلمي يصحح الأخطاء
من أهم ثمار المناقشة أنها تكشف مواطن الخطأ قبل أن تتحول إلى قناعات راسخة.
فالإنسان قد يبني رأيًا على معلومة ناقصة، أو يسيء فهم نص، أو يغفل عن دليل مهم، فإذا ناقش أهل الاختصاص صححوا له فهمه، ووجهوه إلى الصواب.
ولهذا كان العلماء يفرحون بمن ينبههم إلى أخطائهم، لأن غايتهم الوصول إلى الحق، لا الانتصار لأنفسهم.
وهذا هو الأدب الحقيقي في الحوار العلمي.
المناقشة تربي العقل النقدي
العقل لا ينمو بكثرة المعلومات وحدها، وإنما ينمو عندما يتعلم كيف يحلل، ويقارن، ويوازن، ويستدل.
والمناقشة العلمية تدرب الإنسان على:
التحقق من صحة الأخبار.
التفريق بين الدليل والرأي.
احترام البرهان.
مراجعة الأفكار قبل تبنيها.
تجنب التسرع في إصدار الأحكام.
ولهذا فإن المجتمعات التي تشجع الحوار العلمي تنتج مفكرين ومبدعين أكثر من المجتمعات التي تعتمد على التلقين فقط.
التواضع العلمي أساس كل مناقشة ناجحة
لا يمكن أن يستفيد الإنسان من الحوار إذا دخل إليه بعقل مغلق، أو بقصد إثبات تفوقه على الآخرين.
ولهذا فإن الإمام علي (عليه السلام) يدعو ضمنًا إلى التواضع، لأن قبول التعلم من الآخرين يحتاج إلى نفس متجردة من الكبر.
وما أجمل قول الإمام علي (عليه السلام):
«قيمة كل امرئ ما يحسنه.» [٤]
فالإنسان لا ينقص إذا تعلم من غيره، بل يزداد قدرًا ورفعة.
وكلما ازداد الإنسان علمًا، ازداد شعورًا بحاجته إلى المزيد من التعلم.
آداب المناقشة العلمية
لكي تحقق المناقشة أهدافها، فلا بد أن تقوم على جملة من الآداب، منها:
الإخلاص في طلب الحقيقة.
حسن الاستماع قبل الرد.
احترام المخالف.
الاعتماد على الدليل لا على العاطفة.
تجنب السخرية والتجريح.
الاعتراف بالخطأ عند ظهور الحق.
التفريق بين نقد الفكرة والطعن في صاحبها.
التواضع أمام العلم وأهله.
فهذه الآداب تحول الحوار من صراع بين الأشخاص إلى تعاون للوصول إلى المعرفة.
حاجة عصرنا إلى ثقافة الحوار
في عصر وسائل التواصل الاجتماعي أصبح الوصول إلى المعلومات أسهل من أي وقت مضى، لكن الوصول إلى الفهم الصحيح أصبح أكثر صعوبة بسبب كثرة الآراء، وانتشار المعلومات غير الدقيقة، وسرعة تداولها.
ومن هنا تبرز أهمية وصية الإمام علي (عليه السلام)، فهي تدعونا إلى الرجوع إلى أهل الورع والحكمة، وعدم الاكتفاء بما نقرأه أو نسمعه، بل مناقشته مع أهل الاختصاص.
كما تدعونا إلى بناء بيئة علمية داخل الأسرة، والمدرسة، والجامعة، تقوم على السؤال، والحوار، واحترام الرأي المدعوم بالدليل، لأن الأمم التي تتوقف عن الحوار تتوقف عن الإبداع.
العلم رحلة لا تنتهي
إن أجمل ما في هذه الوصية أنها تجعل الإنسان متعلمًا مدى الحياة.
فالجاهل يتعلم، والعالم يزداد علمًا، والحكيم يزداد حكمة.
وكلما ازداد الإنسان معرفة، ازداد تواضعًا، وأدرك أن أمامه آفاقًا جديدة لم يكتشفها بعد.
ولهذا بقي العلماء الكبار يقرؤون، ويسألون، ويناقشون حتى آخر أعمارهم، لأنهم كانوا يرون أن الوقوف عن التعلم هو بداية التراجع.
الرسالة الذهبية:
ترسم هذه الحكمة العلوية منهجًا خالدًا في بناء الإنسان والعلم؛ فالمعرفة لا تنمو في العزلة، وإنما تزدهر بالحوار، والمناقشة، وتبادل الخبرات، والجلوس إلى أهل الورع والحكمة. ومن جعل المناقشة العلمية عادةً في حياته، بقي عقله متجددًا، وفكره متوازنًا، ونفسه متواضعة، وقلبه منفتحًا على الحق. ولذلك فإن المجتمع الذي يشيع فيه أدب الحوار، ويُكرم العلماء، ويشجع على السؤال والنقاش، هو مجتمع يملك أسباب النهضة العلمية، لأن العلم لا يقف عند حدود ما نعرفه، بل يبدأ دائمًا من السؤال الصادق، وينمو بالمناقشة الهادفة، ويثمر حكمةً تهدي الإنسان إلى سواء السبيل.
هوامش:
[١] موسوعة العقائد الإسلامية، ج ٢، محمد الريشهري، ص ٤٤٤، العلم والحكمة في الكتاب والسنة، محمد الريشهري، ص ٤١٦، موسوعة أحاديث أهل البيت ( ع )، ج ١٠، الشيخ هادي النجفي، ص ١٤٤، ينابيع الحكمة، ج ١، عباس الإسماعيلي اليزدي، ص ٣٧٦
[٢] النحل: 43
[٣] يوسف: 76
[٤] نهج البلاغة، ج ٤، خطب الإمام علي ( ع )، ص ١٨




