
المترجم : عدنان أحمد الحاجي
ترتبط النرجسية بالأنانية وبعدد من السمات السلبية الأخرى، مثل الشعور المتضخم بأهمية الذات، والحاجة المستمرة إلى إعجاب الآخرين، وضعف التعاطف مع الآخرين. لذلك، قد يجد النرجسيون صعوبة في ممارسة بعض السلوكيات المرتبطة بالصحة النفسية والعلاقات الصحية، ومن أبرزها التسامح مع من أساء إليهن، وقد يميلن بدلًا من ذلك إلى الانتقام أو تجنب من أساء إليهن.
لكن دراسة جديدة (1)، نُشرت في مجلة العلاج السلوكي والطب النفسي التجريبي (Journal of Behavior Therapy and Experimental Psychiatry)، بحثت في مدى الاستجابة التلقائية لمن لديهن نوع معين من النرجسية للإساءات أو التجاوزات التي يتعرضن لها من الآخرين.
باحثون قاسوا ميل هؤلاء النسوة إلى الانتقام، أو تجنب من أساء إليهن، أو التعامل معه بطريقة إيجابية ومتسامحة.
قياس النرجسية
تُبين الدراسات السابقة التي نشرت في العلاقة بين النرجسية والتسامح نتائج متباينة، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن تلك الدراسات تعاملت مع النرجسية على أنها سمة واحدة. إلا أن معظم الباحثين يتفقون على أن النرجسية ليست سمة واحدة، بل تتكون من ابعاد مختلفة. ويشير مؤلفو هذه الدراسة الجديدة إلى أن النرجسية لها عادةً بعدان رئيسان: النرجسية العلنية أو نرجسية العظمة (grandiose narcissism) والنرجسية but الخفية أو النرجسية الهشة (vulnerable narcissism) (4، 3، 2).
وينقسم هذان البعدان بدورهما إلى ثلاثة أنماط:
1. النرجسية العدائية (5)، التي تتميز بالعداء والدفاع عن الذات بصورة انفعالية، استجابةً لتهديد متصور؛
2. الانبساطية الفاعلة (الساعية وراء المكانة)، وهي جانب من إحدى سمات الشخصية الخمس الكبرى – سمة الشخصية الانبساطية – وترتبط بتحقيق الذات وتعزيز صورتها ومكانتها وبالطموح، والسعي إلى النجاح، والرغبة في التأثير.
3. شخصية العصابية النرجسية، التي تتسم بالشعور بعدم الثقة بالنفس والميل إلى الانسحاب من الآخرين.
وتركز الدراسة الجديدة على النرجسية العدائية، التي تظهر في صورة العداء للآخرين والميل إلى الانسحاب منهم والابتعاد عنهم وتجنب التفاعل معهم.، واستغلالهم، والاعتقاد بالاستحقاق (حيث يعتقد الشخص النرجسي أنه يستحق معاملة خاصة أو امتيازات واهتمامََا وتقديرََا أكثر من الآخرين، حتى لو لم يكن هناك ما يبرر ذلك الاستخفاق.
استخدمت معظم الدراسات السابقة أيضًا استبانات اعتمدت على إفادات المشاركات عن أنفسهن (تقارير ذاتية) لقياس سمات النرجسية، إلا أن هذا النوع من القياس قد يتأثر برغبة بعض المشاركات في الظهور بصورة مقبولة اجتماعيًا. فقد تتردد بعضهن في الإفصاح عن ميولهن النرجسية العدائية، أو قد لا يستطعن وصف هذا الميل وصفًا دقيقًا، ما قد يؤدي إلى الحصول على بيانات غير موثوقة منهن. لذلك، طُوّرت أساليب قياس غير مباشرة، مثل اختبار الارتباط الضمني (IAT)، المعروف أيضًا باسم اختبار التداعيات الضمنية (5)، في محاولة للحصول على بيانات أقل تحيزًا. وتهدف هذه الاختبارات إلى الكشف عن الارتباطات التلقائية غير الواعية التي قد تساعد في التعرف على ميول الشخص الطبيعية.
التقارير الذاتية هي حين يُطلب فيها من الشخص أن يعبّر بشكل واعٍ ومباشر عن صفاته أو مواقفه أو انفعالاته، وذلك بالإجابة عن أسئلة استبانة محددة. لقياس النرجسية، قد يُطلب من الشخص أن يحدد مدى موافقته على عبارات تصف شعوره بأنه شخص مميز أو مهم. وتُعرف هذه التقييمات بالتقييمات المباشرة لأنها تعتمد على إجابة الشخص الواعية والصريحة عن نفسه، بخلاف المقاييس غير المباشرة التي تحاول الكشف عن ميوله وذلك باستجاباته في اختبارات لا تسأله عنها بصورة مباشرة.
كتب مؤلفو هذه الدراسة: “تفترض هذه النماذج (النظريات العلمية التي تفسّر كيف يعالج الإنسان المعلومات ويقيّم ذاته ويتخذ قراراته) وجود نظامين مختلفين لمعالجة المعلومات: الأول نظام تأملي يتحكم في التقييمات المقصودة والواعية للذات، والثاني نظام تلقائي اندفاعي يعمل بسرعة ويعتمد على الترابطات الذهنية التي قد لا يكون الشخص واعيًا بها. وعندما تضعف قدرة الشخص على التحكم في أفكاره أو ضبط نفسه، قد تؤثر العمليات التلقائية في سلوكه أكثر من التفكير الواعي والتأملي. وعندما تصبح القدرة على التحكم الإدراكي (6) ((أي قدرة الشخص على تنظيم أفكاره وأفعاله بمرونة لتحقيق أهداف محددة وتجاوز الاستجابات التلقائية أو المشتتات) محدودة، أو تكون القدرة على ضبط الذات (7) (أي التحكم في ردود الفعل عند ظهور استجابات اندفاعية أو انفعالية أو سلوكية) ضعيفة، وهي حالات شائعة في الاضطرابات النفسية، فقد تتغلب العمليات التلقائية على عمليات التفكير التأملي.”
الجدير بالذكر أن الترابطات الذهنية قد تحدث تلقائيًا عندما يربط الدماغ بين أفكار، أو انفعالات، أو ذكريات، أو مواقف مختلفة استنادًا إلى روابط سابقة. يتسم النظام الاندفاعي بعمليات تلقائية وسريعة تعتمد على هذه الترابطات، وقد تحدث من دون وعي أو تفكير مقصود؛ فمثلًا، قد يثير موقف معين شعورًا أو فكرة تلقائية لدى الشخص بسبب ارتباطه بتجربة أو حالة سابقة.
وبناءً على ذلك، قد لا تعكس التقارير الذاتية (أي المعلومات التي أفادت بها المشاركات عن أنفسهن) بشأن التسامح أو النرجسية الميول الشخصية بصورة كاملة، كما قد لا تكون كافية للتنبؤ بسلوك الشخص الفعلي في السياقات السريرية (أي في حالات التقييم والعلاج النفسي). وبالرغم من وجود بعض الملاحظات المتعلقة بالمنهجية، فإن المقاييس غير المباشرة يمكن أن تكون إضافة مفيدة إلى التقارير الذاتية، ولا سيما عند استخدامها إلى جانب المقاييس الصريحة التي تقيس هذه السمات بصورة مباشرة.
لماذا تجد بعض النرجسييات صعوبة في التسامح
لتقييم العلاقة بين النرجسية العدائية والتسامح، حلّل الباحثون نتائج استبانات واختبارات محوسبة كمبيوتريََا لقياس سرعة استجابة المشاركات لمثيرات أو مهام معينة تظهر على شاشة كمبيوتر. أتاحت هذه الاختبارات للباحثين قياس بعض الاستجابات التلقائية بصورة غير مباشرة، بدلًا من الاعتماد فقط على إجابات المشاركات في تقاريرهن الذاتية. وأُجريت الدراسة على 102 مريضة، تراوحت أعمارهن بين 19 و60 عامًا، بمتوسط عمر بلغ نحو 34.5 عامًا، في عيادة ألمانية متخصصة في الطب النفسي الجسدي، وهو مجال يهتم بالعلاقة بين العوامل النفسية والأعراض أو الأمراض الجسدية. معظم المشاركات كن مشخصات بالاكتئاب أو القلق أو اضطرابات أخرى في الصحة النفسية.
وجد فريق البحث أن المشاركات اللاتي كانت لديهن ارتباطات تلقائية قوية بالنرجسية العدائية كن أقل ميلًا إلى التسامح مع من أساء إليهن. كما كن أكثر ميلًا إلى تجنب الشخص الذي ألحق بهن الأذى، وأقل ميلًا إلى إظهار حسن النية تجاهه. وبوجه عام، فقد وجد فريق البحث أن المشاركات اللاتي أظهرن، من خلال استجابتهن التلقائية في الاختبار، ميلًا غير واعٍ أو غير مقصود إلى صفات النرجسية العدائية، مثل الشعور بالتفوق على الآخرين، والحساسية تجاه الإهانة، والعداء أو الدفاع عن النفس عند الشعور بالتهديد (أي لم يكن هذا الميل بالضرورة شيئًا صرّحت به المشاركات عن أنفسهن، بل ظهر من خلال استجاباتهن السريعة والتلقائية في المقياس غير المباشر، كن أقل ميلًا إلى التسامح مع من أساء إليهن أو إلى إظهار حسن النية تجاهه ، كما كن أكثر ميلًا إلى تجنب الشخص الذي ألحق بهن الأذى،.
كما تمكنت المقاييس غير المباشرة للنرجسية من التنبؤ بانخفاض الميل إلى التسامح مع الشخص المسيء أو إظهار حسن النية تجاهه، وبزيادة الميل إلى تجنب من أساء إليهن، حتى بعد أخذ نتائج مقاييس التقرير الذاتي التقليدية في الحسبان. ومع ذلك، لم تتنبأ هذه المقاييس بوجود دافع قوي للانتقام، ما من شأنه إن يشير إلى أن تجنب من أساء إلىيهن وانخفاض الميل إلى إظهار حسن النية تجاهه قد يكونان أكثر ارتباطًا بالميول العدائية التلقائية من الرغبة المتعمدة في الانتقام.
الاستجابة التلقائية أم القرارات الواعية ردود الفعل التلقائية أم القرارات الواعية الذي يتخذها الشخص بعد التفكير والتأمل؟
تشير الدراسة إلى أن صعوبة التسامح مع المسيء قد تنشأ أحيانًا عن ردود فعل سريعة وتلقائية تجاهه، وليس فقط عن قرار واعٍ بالاستمرار في الضغينة. وقد يكون عدم ظهور دافع قوي للانتقام مثالًا على ذلك. ويرى فريق البحث أن هذه النتيجة تستحق مزيدًا من الدراسة، لا سيما أن النرجسية العدائية ترتبط عادةً بدرجة أعلى من الميل إلى الانتقام. وأشار الباحثون إلى أن ذلك قد يرتبط بالفرق بين ردود الفعل التلقائية والسريعة التي تحدث بصورة شبه فورية، وبين التصرفات التي تأتي بعد التروي، والتفكير، واتخاذ قرار، واعٍِ. فعندما تتعرض المرأة للإساءة، قد تكون استجابتها الأولى هي تجنب من أساء إليها أو عدم الرغبة في إظهار حسن النية تجاهه، من دون أن يكون قد اتخذت قرارًا واعيًا بالانتقام منه.
الخلاصة
النساء اللواتي لديهن ميول تلقائية قوية نحو النرجسية العدائية قد يجدن صعوبة أشد في التسامح مع من أساء إليهن؛ إذ كن أكثر ميلًا إلى تجنب المسيء وأقل ميلًا إلى إظهار حسن النية تجاهه. هذه الاستجابات قد تكون تلقائية وغير واعية، ولا تعني بالضرورة وجود رغبة واعية في الانتقام (الرغبة الواعية هي أن تكون مدركة لرغبتها في الانتقام من المسيء، وتفكر فيها بصورة مقصودة، وقد تتخذ قرارًا متعمدًا بالقيام بذلك)
لذلك، الانتقام ليس مجرد استجابة تلقائية وسريعة تظهر لديه فور تعرضه للإساءة، كما وجدت أن المقاييس غير المباشرة للنرجسية، مثل اختبار الارتباط الضمني، قد تكشف هذه الميول بصورة أفضل من التقارير الذاتية وحدها.
الهوامش
1- https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0005791626000170?via=ihub
2- https://theconversation.com/what-weve-learned-about-narcissism-over-the-past-30-years-258505
3- https://www.nottinghillcollege.me/post/اضطراب-الشخصية-النرجسية-الوجه-اللامع-في-علم-النفس-المظلم
4- https://www.abaarabic.com/post/النرجسي-الصريح-والخفي-والخبيث
5- https://ar.wikipedia.org/wiki/اختبار_التداعيات_الضمنية
6- https://knowledge.esyria.sy/2022/08/استنزاف-الدماغ-ووظائف-التحكم-الإدراكي
7- https://hbrarabic.com/المفاهيم-الإدارية/التنظيم-الذاتي/
المصدر الرئيس
https://phys.org/news/2026-08-women-narcissistic-tendencies-struggle.html?utm_source=nwletter&utm_medium=email&utm_campaign=daily-nwletter




