
شباب الثبيتي
استهوتني نقطة الانطلاق فهي ليست خطوة أولى نحو الهدف،بل هي الحظة الوعي الذي يقررها الإنسان حينما يقرر أن يغادر دون تردد، ويعيد فيها ترتيب علاقته بذاته، ومن ثم يمضي إلى الحياة بنظره أكثر نضجًا واتزانًا.
مع كل بداية أدركت أن النجاح لا تصنعه المعرفة وحدها، ولا يكفيه الحماس والطموح.
فالإنسان يحتاج إلى أن يفهم عالمه الداخلي، وأن يدرك مشاعره قبل أن تتحول إلى ردود أفعال وقرارات.
وهنا تتجلى لنا أهمية الذكاء العاطفي.
فالذكاء العاطفي ليس أن نكتب مشاعرنا أو نتظاهر بالقوة، وإنما أن نعرف ماذا نشعر، ولماذا نشعر به، وكيف نتعامل معه دون أن نفقد اتزاننا أو نتخلى عن قيمنا.
إذن ليس كل استفزاز يستحق منا ردًّا، وليس كل اختلاف يحتاج إلى معركة، وليست كل كلمة عابرة تستحق أن نحملها معنا طويلًا.
أحيانًا تكون الحكمة في التجاوز، والقوة تكمن في الهدوء، وأيضًا النضج في أن تملك القدرة على الرد ومن ثم تختار ما يليق بك.
لقد تعلمت أن بين الشعور وردة الفعل مساحة صغيرة، وفي تلك المساحة تظهر حقيقة وعينا.
قد لا نملك التحكم في كل ما يحدث حولنا، ولكننا نستطيع أن نتعلم كيف نختار استجابتنا لما يحدث.
وهنا وجدت المعنى الأعمق لنقطة الانطلاق، وأن تبدأ من داخلك قبل أن تنطلق إلى الخارج، وأن تعرف نفسك قبل أن تطلب من الأخرين فهمك، وأن تدير مشاعرك قبل أن تسمح لها بإدارة قراراتك.
فالانطلاق الحقيقي ليس أن تكون أسرع من الأخرين، بل أن تكون أكثر وعيًا بالاتجاه الذي تسير إليه.
والذكاء العاطفي ليس أن تنتصر في كل موقف، بل أن تخرج من الموقف دون أن تخسر نفسك وقيمك واتزانك.
فقد تكون أعظم نقطة انطلاق في حياتك هي اللحظة التي تتوقف فيها عن محاولة التحكم في كل ما حولك، وتبدأ بإتقان قيادة نفسك، فمن وعى ذاته، وفهم مشاعره، وأحسن إدارة انفعالاته، أصبح أكثر قدرة على صناعة قراراته ورسم طريقه.
قبل أن أختم كلماتي يقول الله تعالى:
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
آل عمران: 134
ففي كظم الغيظ قوة، وفي العفو سمو، وفي إحسان الإنسان إدارة نفسه صورة من اجمل صور النضج.





