
يوسف الطويل
منذ مدة، وأثناء تعلّمي لبعض أسس الكتابة، استوقفني بناء ما يسمى بالـ مقالة (Essay) وهي تدرس في المدارس والجامعات.
فالمقالة الجيدة لها أركان، ولا تبدأ عادة بالدخول المباشر في التفاصيل، وإنما تقوم على بناء واضح ومترابط.
تبدأ بـ الجملة الجاذبة أو الاستهلال (Hook)، ومهمتها أن تشد انتباه القارئ وتدفعه إلى مواصلة القراءة.
ثم تأتي الفكرة أو الأطروحة الرئيسة (Thesis Statement)، وهي التي تحدد للقارئ القضية التي ستناقشها المقالة، مع ذكر النقاط الرئيسة وقد ترسم له أيضًا الطريق الذي ستسلكه.
بعدها يأتي صلب المقالة أو المتن (Body)، وفيه تُشرح الأفكار التي طُرحت في البداية وتُفصّل وتناقش.
ثم تأتي الخاتمة (Conclusion)، فتجمع الموضوع وتعيد القارئ إلى فكرته الأساسية وتغلق الدائرة التي بدأت بها المقالة.
هذا بناء نتعلمه اليوم في فنون الكتابة الصحيحة، سواء كتبنا بالعربية أو بالإنجليزية، وإن اختلفت المصطلحات وطرائق التدريس.
ولكنني، وأنا أقرأ سورة الواقعة، لفت انتباهي شيء جعلني أتوقف طويلًا:
(أليست أمامي بنية تشبه هذا البناء بصورة لافتة؟)
وقبل أن أسترسل، أحب أن أوضح شيئًا:
أنا لا أحاول إخضاع القرآن لقواعد الكتابة الحديثة، ولا أقول إن سورة الواقعة هي «مقالة» بالمعنى الاصطلاحي الذي نعرفه اليوم، ولا أقدم تفسيرًا جديدًا للسورة.
إنها فقط ملاحظة في طريقة بناء النص لفتت انتباهي وأنا أقرأ السورة بعين شخص تعلّم أسس بناء المقالة.
فلنقرأها بهذه العين فقط.
الاستهلال الجاذب (Hook)من أول كلمة
تبدأ بها السورة:
﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾
من البداية نحن أمام حدث.
(إذا وقعت الواقعة…)
ما هذه الواقعة؟
وماذا سيحدث عندما تقع؟
ثم تتحرك الأرض، وتُبس الجبال، وتصبح هباءً منبثًا.
خلال آيات قليلة أصبح القارئ داخل المشهد.
ولو استعرنا لغة تعليم الكتابة الحديثة، فإن هذا يؤدي بصورة لافتة وظيفة الاستهلال الجاذب (Hook):
(شدّ القارئ إلى القضية قبل الدخول في تفاصيلها.)
ولكن بعد ذلك تأتي الآية التي استوقفتني أكثر.
الأطروحة الرئيسة (Thesis Statement)… وكنتم أزواجًا ثلاثة
بعد المشهد الافتتاحي يقول تعالى:
﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾
ثم يحددهم:
﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾
﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾
﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾
وهنا تكاد خريطة الموضوع كلها توضع أمام القارئ منذ البداية.
البشر يوم الواقعة سيكونون ثلاثة أصناف:
السابقون…
وأصحاب اليمين…
وأصحاب الشمال.
وهذه، إذا نظرنا إليها بعين كاتب المقالة، تشبه بصورة لافتة وظيفة الأطروحة الرئيسة (Thesis Statement)، بل إنها ترسم أيضًا خريطة الموضوع (Roadmap):
(هذه هي القضية، وهذه هي الأقسام التي سأتحدث عنها.)
ثم يبدأ التفصيل.
صلب المقالة (Body)… والآن نعرف قصة كل فريق
بعد أن أعلنت السورة الأقسام الثلاثة، تبدأ في بيان أحوالهم.
تبدأ بالسابقين المقربين:
﴿أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾
ثم تصف ما أعد لهم.
وبعدهم يأتي أصحاب اليمين:
﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾
ثم تفصل ما هم فيه من نعيم.
ثم يأتي أصحاب الشمال:
﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾
وتبين السورة مصيرهم وأسباب ما وصلوا إليه.
وهكذا فإن الأقسام التي أعلنتها السورة في البداية لم تُترك عناوين مجردة.
(طرحتها أولًا… ثم شرحتها.)
وهذا هو قلب صلب المقالة (Body) في أي كتابة منظمة.
وبكن السورة لا تنتهي هنا.
تنتقل بعد ذلك إلى الإنسان نفسه، وإلى ما يراه حوله:
﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ﴾
﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾
﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾
وكأن السورة بعد أن أخبرتك بما سيحدث، تعيد نظرك إلى الأشياء التي تعيش معها كل يوم:
إلى خلقك…
وزرعك…
ومائك…
ونارك.
ثم تمضي بك حتى تصل إلى لحظة لا يستطيع الإنسان أن يتجنبها:
(الموت.)
وهنا اكتملت عندي الملاحظة.
الخاتمة (Conclusion)… العودة إلى البداية
تصل السورة إلى الإنسان عند لحظة الاحتضار:
﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾
ثم، في الآيات الأخيرة، تعود السورة مرة أخرى إلى التقسيم الذي بدأت به.
قال تعالى:
﴿فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾
المقربون…
وهم الذين عرّفتنا بهم في البداية:
﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾
ثم:
﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾
ثم الصنف الثالث:
﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾
وهنا أُغلقت الدائرة.
بدأت السورة بثلاثة أصناف…
وفصلت أحوالهم…
ثم عادت في النهاية إلى الأصناف الثلاثة نفسها.
حتى أن المفسرين قديمًا تنبهوا إلى قوة هذا الترابط بين أول السورة وآخرها، وإن عبّروا عنه بمصطلحات البلاغة والتفسير، لا بمصطلحات تعليم الكتابة الحديثة.
هل سورة الواقعة مقالة (Essay)؟
بالطبع لا أقول ذلك بالمعنى الاصطلاحي للكلمة.
فالمقالة قالب كتابي له اصطلاحاته وأساليب تدريسه الحديثة، والقرآن سابق لهذه الاصطلاحات بقرون طويلة.
ولكن ما استوقفني هو شيء آخر:
(أن الإنسان قد يتعلم اليوم طريقة معينة لتنظيم الأفكار، ثم يعود إلى نص قرآني قرأه عشرات المرات، فيكتشف فيه بناءً لم يكن قد انتبه إليه من قبل.)
استهلال جاذب (Hook)…
ثم أطروحة رئيسة (Thesis Statement) تحدد ثلاثة أصناف…
ثم متن (Body) يفصل هذه الأصناف…
ثم خاتمة (Conclusion) تعود إلى الأصناف نفسها وتغلق الدائرة.
ولست أريد من هذه الملاحظة أن أثبت إعجازًا جديدًا، ولا أن أحمّل السورة ما لم تقله.
وإنما هي دعوة إلى أن نقرأ أحيانًا بطريقة مختلفة.
فقد نقرأ الآيات نفسها سنوات طويلة بحثًا عن المعنى…
ثم نقرؤها مرة أخرى، فننتبه هذه المرة إلى كيف بُني المعنى نفسه.
وربما كان من جمال القرآن أن القارئ كلما عاد إليه بعين جديدة…
وجد شيئًا يستحق أن يتوقف عنده.





