أقلام

ما بعد الشهر

عماد آل عبيدان

لا يحقّ لأحد أن يقول إن الخير قل.

فالخير ظاهر ومسموع وممتد إن شاء الله.

في ليالي الشهر الفضيل ترى المساجد والمجالس والحسينيات مضاءة بفعالياتها حتى ساعة متأخرة.

تُقرأ أدعية شهر رمضان الفضيل كأن القلوب اتفقت قبل الألسنة

فتبدأ المجالس بآيات مرتلة من كتاب الله وأدعية شهر رمضان كدعاء الافتتاح ثم يرتقي الخطيب منبر الإمام الحسين عليه السلام فيستعرض المعنى ويُهذّب الفكرة ويضع إصبعه على جرح يعرفه الجميع، ويؤجل كثيرون علاجه.

الصفوف ممتلئة.

النيات متوثبة.

والجدول الرمضاني عند بعضنا أدقّ من جدول شركة عالمية.

هذا يزور أرحامه بانتظام

ذاك لا تفوته تكبيرة

ثالث يختم القرآن

ورابع يتصدق خفية.

المشهد جميل ومريح للضمير.

ولكن السؤال الذي يقترب بهدوء مع آخر أذان في آخر ليلة:

ماذا بعد الشهر؟

هل سنبقى كما نحن الآن؟

أم أن شهر رمضان كان أداءً موسميًا متقنًا ينتهي بانتهاء آخر ليلة؟

العبادات بينك وبين الله والله غفور رحيم.

إن قصرت فبابه مفتوح

وإن عدت فهو أوسع من ذنبك

وإن طلبت حاجتك فهو الكريم.

ولكن المعاملات ليست كذلك.

الله يغفر لك

ولكن صاحب الحق لا يغفر بسهولة.

الغيبة التي أغلقتها ثلاثين يومًا… هل ستعيدها عادة يومية؟

الخصومة التي جمدتها احترامًا للشهر، هل ستوقظها بعد العيد؟

المال الذي تعلم أنه ليس لك… هل ستقنع نفسك بأن الوقت لم يحن بعد لإرجاعه؟

الكلمة الجارحة التي اعتدت إطلاقها، هل ستعود إليها لأن الموسم انتهى؟

هنا يبدأ الامتحان الحقيقي.

نحن لسنا مقصرين في إقامة الشعيرة.

ولكننا أحيانًا نتقن الشعيرة، ونهمل أثرها.

نحفظ الأدعية

ولكننا لا نحفظ ألسنتنا.

نجيد القيام

ولكننا نتعثر في الأمانة.

نطيل السجود

ولكننا نقصر في رد المظالم.

شهر رمضان يدربنا على ضبط المعدة

ولكن الامتحان في ضبط النية.

يدربنا على الصبر ساعات

ولكن الاختبار في الصبر سنوات.

في كل مجلس نسمع عن العدل وعن الأمانة وعن صفاء القلوب

ولكن العدالة لا تختبر في الصف الأول

بل عند توقيع ورقة

وعند قسمة إرث

وعند تسديد دين

وعند مجلس يذكر فيه اسم غائب.

شهر رمضان ليس مهارة في التنظيم

ولا سباقًا في الختم

ولا موسمًا نجمّل فيه سيرتنا.

شهر رمضان تدريب.

فإن خرجتَ منه كما دخلت

فأنت لم تخسر الأجر، ولكنك فوّت التحول.

ليس المطلوب أن تبقى ملاكًا بعد الشهر الفضيل

ولكن المطلوب أن لا تعود كما كنت تمامًا.

إن لم يتغير فيك خلق واحد على الأقل

إن لم تُسقط عن نفسك عادة سيئة واحدة

إن لم تُرجع حقًا واحدًا تعرف أنه يؤرق ضميرك

فاسأل نفسك بصدق:

هل صمت عن الطعام فقط…

أم صمت عن الظلم؟

هل امتنعت عن الماء

أم امتنعت عن أذى الناس؟

العبادات ترفعك عند الله

ولكن المعاملات تكشفك أمامه.

ومع آخر أذان

وآخر مجلس

وهدوء المآذن والمجالس بعد الزحام…

 

لن يسألك أحد كم ختمة قرأت

ولكن سيسألك ضميرك سؤالًا واحدًا:

ماذا بقي من شهر رمضان فيك؟

فإن بقي فيك صدق أوسع

وأمانةٌ أثبت

وقلبٌ أنقى

وذمة أخف…

فقد فزت.

أما إن بقي كل شيء كما هو

وتغير التقويم فقط

فاعلم أن الشهر مر عليك

ولكنه لم يمر فيك.

وهناك…

فقط هناك…

تبدأ المحاسبة الحقيقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى