أقلام

قراءتي في كتاب (مدينة العمران بالاحساء-رحلة في الذاكرة)

علي الوباري

تعريف كتابة السيرة بانطباع ذاتي من خلال ضمير الغير: هو أن توثق تاريخ مجتمع بأجيال مختلفة، فمن يكتب سيرته الذاتية ويتحدث بثقافة مجتمعه وقيمها هو في الواقع يشاطر من يعيش معهم تاريخهم وتطلعاتهم وهمومهم، واستنطاق الزمن الماضي بشخوصه من خلال رؤية شخصية هو نوع من الكتابة المشتركة بين الذاتية والغيرية، فيعبر فيه السارد عن سمات المكان ويحدد خصائص الزمان من خلال وصف الناس وأدوارهم وتأثيرهم واستدامة آثارهم في وقت مضى وباق بامتداد أثره، ويشير لأطلال المكان المندثرة والعلامات الظاهرة، وينقل جمال سلوك ومهارات تعامل الأفراد، فهو ينقل زمن ماضٍ إلى زمن حاضر وتصوير الشخصيات المذكورة في مشهد ثقافي واجتماعي متنوع على مسرح الحاضر، لتعزيز حلقات السلسلة الاجتماعية بترسيخ قيمهم وذكر خصائصهم.

أي مجتمع لا بد من أن يعيش مناسبات سعيدة وأحداث مريرة، وتجارب يمر بها كل مجتمع وتصبح نسيًا منسيًّا إذا لم يتصد شخص بذكر ما مضى وتوثيق مسيرة أفرادها الذين عاشوا في ميدان الحياة تبرز في الشخصية الذاكرة سيرته علامات المجتمع، لأنها تحدثت بضمير الجمع وجعل شخصيته عضوًا من المشاهد تعلمت من أخلاقهم واتبعت نظامهم القيمي واكتسبت من المجتمع أفضل الخصال الحميدة. وقد وثق السيد حسين الحداد بلسان مجتمعه وعبر عن أبعاد الجغرافية وخصائص زمانهم، فكانت الشخصية الكادحة هي البطلة التي تركت مآثر ملموسة ومعاني أخلاقية تلزم الأجيال بما سلكه الأوائل.

كتاب السيد حسين الحداد الموسوم (مدينة العمران بالاحساء-رحلة في الذاكرة) يتكون الكتاب من ٣٣٣ صفحة بما فيهاالملاحق والصور، وينقسم إلى تسعة فصول متنوعة العناوين، وغالبية فصوله القاسم المشترك فيها هو الإنسان أو بطل المكان الذي يتميز بعدة خصائص، منها: الشجاعة والكرم لدرجة عرف عن العمراني أنه يربط التحية بكلمة (تفضل)، وأنموذج السخاء مثل ما ذكره صاحب السيرة عن الحاج حسن الحسين رحمه الله الذي أتلف أوراقًا تثبت أن أشخاصًا مدينين له حتى يسقط ديونهم بعد وفاته.

سيرة مجتمع عاش وما يزال يعيش شخصية (بطل المكان) أو شخصية الجغرافيا، إذا كانت قرية العمران منتسبة إلى علي بن عمران بن فضل القادم من ملهم وهو أحد أجداد آية الله الشيخ عمران السليم رحمه الله، فكل شخصية بهذه القرية يعبر عن عمران وبناء وتشييد في هذه المنطقة المحدودة بجغرافيتها الممتدة بعطائها، تحيط بها الرمال التي هددت وجودها لولا رجالها وعلى رأسهم الحاج الوجيه عبد المحسن العيسى عمدة القرية رحمه الله والمشروع الوطني لمنع زحف الرمال في ذلك الوقت، فما زالت العمران بعد تحولها إلى مدينة تحكي قصة عمرانها وتعميرها بالإرادة وبثقافتها الاجتماعية التي عرفت في الأحساء بكرم أهلها، قرية محاطة بعدة قرى صغيرة من اتجاهاتها الأربعة ومسورة بنخيل وأشجار ذات جهتين عمران شمالية وجنوبية، ولها فرادة الموقع فهي تقع في أقصى الشرق من منطقة الاحساء، خرج منها بعض الأهالي وأسسوا قريتين هما القرن والمنصورة. هذه الشخصية القروية تحمل خصائص المكان القاسية بظروفها التي أثرت في مسيرة ساكنها وتأثر بطبيعتها، سيرة السيد حسين هي تاريخ مجتمع عاش الألم وتفاءل بالأمل، وصمد إمام رياح محملة بالغبار وكافح زحف الرمال بالعمران والتشجير، ويسجل كتاب (مدينة العمران،رحلة في الذاكرة)، يسجل ذكريات شخصية ولكنها متقاسمة مع بقية الأفراد والعوائل، فشخصية كاتب السيرة مزيج من أجيال مختلفة من خلال معاصرته شخصيات مختلفة في تأسيس مؤسسات اجتماعية ورياضية، عاش ذاكرة جيله ومن هم قبله ومن هم بعده، وعاصر من خلال نشاطاته عدة أعمار من الأفراد والجماعات، فتشكلت شخصيته من هذه الفسيفساء الاجتماعية، فظهرت في شخصية قرية العمران جمال أخلاق أهلها وسارت في رحلة طموح بناء وتعمير من الجد إلى الابن.

طريق رحلة الصعوبات

فمنذ نعومة أظافر كاتب السيرة بدأ طريق رحلة الصعوبة، فهو يمثل معظم شخصيات قريته،

مثل إصراره على الدراسة والتعليم الحديث بالرغم أن والده غير محبذ للتعليم الحديث، والمدرسة كانت في قرية القارة بعيدة عن سكنه بحوالي ٤ كيلو متر وعدم وجود وسيلة النقل الحديثة حتى أنه استخدم الحمار للوصول إلى المدرسة في طريق غير معبد يصعب السير فيه حين تسقط الأمطار وتتشكل المستنقعات.

تخطيط المكان

ينقل صاحب السيرة الذاتية لوحات فنية اجتماعية عن تخطيط المكان وما يتضمن من مباني مثل المساجد والحسينيات، إضافة إلى مواقع فيها تجمعات مفتوحة مثل البراحات وهي ساحات لتجمع الناس مثل براحة استيشن للسيارات وبراحة المسجد والخلاصة للتجمع وللبيع والشراء.

سرديات اجتماعية

ذكر الحداد في كتابه سرديات كأنه عاش زمن من قبله حتى لو لم يراهم، نقلها عن من عاصرهم لأنه اكتسب منهم موروثات وتقاليد المجتمع، وإعجابه بما سمع من خصال الشخصية الماضية فهو مسكون بذاكرة الشخصيات التي تعيش الشهامة والنخوة والرجولة وتبقى قيمها ممتدة لعصره وما بعده حتى يقتدى بها.

شخصيات راحلة

في هذه الإطلالة المختصرة على الكتاب نذكر بعض نماذج الشخصيات الراحلة ومواقفها الإنسانية التي بقيت آثارها في النفوس وفرضت حقائق قصصها وحكاياتها موروثًا تاريخيًّا للأجيال ليقتدون بها ويسيرون على خطى الآباء والأجداد لما تتضمنه من قيم مثل الإيثار والتضحية والكرم، فهم قوى معنوية ومادية جاذبة ومحركة.

والده

نبدأ بمعرفة جزء من شخصية صاحب الكتاب نتعرف عليها من خلال والده رحمه الله السيد محمد(محمود) فهو محل ثقة لبعض الشيوخ والعلماء لأداء الصلوات والصيام وقراءة القرآن لبعض الأموات، وسعى في إصلاح ذات البين في المجتمع، ومن الذين وثقوا به المقدس السيد محمد العلي القاضي.

في الفصل السادس بعنوان شخصيات عرفتها, ذكر الحداد المرحوم عبد الله بن الشيخ والده الشيخ معتوق وجده الشيخ عمران رحمهم الله هذه الشخصية التي تنقلت بطبعاها وسجايها في سفرها كما هي في سكنه الأصلي من كرم وسمو خلق، فهو كثير السفر بل استقر بالنجف الاشرف سكنًا، يكرم من يأتي للعراق من بلده وغيرهم الذين يعرفهم، وتحققت أمنيته بدفنه في النجف الأشرف بعد حادث أليم بدولة الكويت.

حسن الحبابي

الشخصية الثانية غنية عن التعريف، فقد عاصرناها وعشنا كرمها ودماثة أخلاقها وحديثها الثقافي، وهو المرحوم الوجيه حسن الحبابي رحمه الله، يذكر صاحب السيرة موقف على صلابة وموقفه وجرأته في رحلة سفر لمصر على الخطوط الجوية المصرية بذهابه لمسؤول الطيران ووعده المسؤول بأخذه للفندق مكرمًا، ولم يتحدث الحبابي عن الذين يعرفهم فقط، بل أصر باصطحاب من هم على الطائرة وهم غالبية من الأخوة المصريين، وبالفعل نفذ له ما أراد. هذا الموقف السامي يدل على التشاعر مع الآخرين والمسؤولية الذاتية تجاه الجميع حتى لو لم يعرفهم مسبقًا ولكنهم إخوة جمعتهم الطائرة.

يوسف النجيدي

الشخصية الأخرى التي ذكرت وتستحق الإشادة هو المرحوم يوسف النجيدي رحمه الله فهو صديق شخصي مقرب وشريك مساهم معه في أنشطة اجتماعية عديدة من النادي إلى الجمعية، وكذلك مشاريع تجاربه كان أحد الوجهاء في مدينة العمران ارتحل مبكرًا تاركًا ذكريات عن سمو أخلاقه وحسن تعامله.

أمين العلي

شخصية ارتحلت عن الدنيا مبكرًا، ولها نشاطات رياضية واجتماعية، فقد تقلد رئاسة نادي الصواب هو أمين العلي الذي عزز علاقة المجتمع بالنادي وأحيا الألعاب فيه، ووطد علاقات اللاعبين بعضهم ببعض، ولم ينس الرعيل الأول من المؤسسين للنادي والفاعلين في إدارته بزياراتهم واستشاراتهم في تطوير النادي، كذلك عزز علاقة النادي بالأندية المجاورة واستقطب رياضيين من قرى مختلفة، توفي رحمه الله بشكل مفاجئ في سوريا ودفن بها.

مواقف إنسانية

كاتب السيرة يحمل الإعجاب من أبسط المواقف الإنسانية، فيذكر الموقف بغض النظر عن فاعله مثل ما هو مذكور في الفصل السابع، ذكر أمانة أمرآة وجدت مبلغًا له بالرغم من ضعف حالها المادي، ولكن إيمانها وأمانتها وتربيتها منعتها عن أخذ مال غيرها.

وموقف آخر يدل على نبل طالب من مدينة القارة حين فقد الحداد محفظته المحتوية مبلغ ١٠ آلاف ريال وبطاقات شخصية، أرجعها الطالب الأمين إلى مكتبه التجاري دون معرفة اسمه.

السيد حسن الحداد

في الختام نعود إلى صفحة ٩٥ نختم بشخصية رجل طموح ومميز استشرف المستقبل اقتصاديًّا وأحبت عمله فأصبح موجها، هو السيد حسن الحداد الذي وافاه الأجل على إثر حادث سيارة أليم، فعلى لسان المؤلف تبرز شخصيته القيادية، فهو يتجاوز المحن بقوة شخصيته في حريق مصنع الورق، وله نظرة ثاقبة في المشاريع الصغيرة كتأسيس مصنع الورق في منطقة غير صناعية، واهتمامه بالاستثمار العقاري، من خلال سرد مسيرته، إرادته قوية تتغلب على المصاعب،، وشخصيته اجتماعية وتهتم بشؤون الشباب في تحسين أخلاقهم وأوضاعهم الاقتصادية حتى اهتم بشراء أرض واسعة المساحة لبناء مساكن لهم تناسب أحوالهم المالية، وذهب للجهات المختصة لتزويدها بالخدمات،هذا بعد نظر وإيثار منه لغيره.

السيد حسن كان مهتمًا بشؤون أقاربه اجتماعي؟ًا واقتصاديًّا كان مميزًا في مهنته التعليمية الذي رشح مرشدًا طلابيًّا، وبشهادة زملائه. أضاف للمدرسة نشاطات مفيدة للطلاب فكان له الأثر الكبير في نفوس الزملاء والطلاب رحمه الله.

السيرة الغيرية

كتابة السيرة الذاتية والغيرية ضرورة لأنها تذكر شخصية المكان ومميزاتها ومهنتها وحرفها وتبرز العلاقات المكتسبة بموقعها، فهي توثيق تاريخ وذكر من هم في الظل لكن أثرهم دائم كما وثق الحداد حفظه الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى