أقلام

التسويق الأخلاقي الراقي لرموز الإنسانية الأطهر في الفضاء الرقمي 

أمير الصالح

مقدمة

تعكس قضايا الفضائح الأخلاقية التي عصفت بدول متقدمة كثيرة، بدافع المصالح الشخصية والابتزاز وإشباع النزوات النفسية والجنسية والرشاوى وصراع السلطة والنفوذ، انهيارًا في منظومة القيم الأخلاقية والحوكمة والرقابة والشفافية. شهد العالم في الفترة الأخيرة فضائح فساد أخلاقية وسياسية ومالية كبرى متتابعة هزت مؤسسات دولية وشركات عملاقة ومجتمعات دول ديمقراطية مختلفة، تضمنت رشاورى، استغلال نفوذ، ابتزاز، تحرشات واعتداء على أطفال قصر، وتجارة بشر وتجارة أعضاء بشرية وإشعال حروب ونشر مغالطات تضليلية ونشر أوبئة وتحريض. أبرزها كما نقلت بعض الصحف: فضائح فساد منظمة الفيفا الرياضية، وفضيحة انبعاثات سيارات فولكس فاجن، وتسريبات بنما، وفضيحة شركة إنرون، وفضيحة كامبريدج أناليتيكا مع فيسبوك، والتسريبات الأخيرة عن احد الجزر القذرة السمعة في إحدى دول الغرب الكبرى، فهل هذه الفضائح السوداوية المترادفة جعلت غالبية الناس العاديين فاقدين للأمل وقانطين من رحمة الله؟ أم أنها إشارة نحو الاقتراب أكثر فأكثر نحو بزوغ فجر الأمل وتصحيح مسار الإنسانية واللجوء لله وتلمس رحمته؟ وهل تلك الفضائح المتلاحقة جعلت البعض أكثر بصيرة ووعي عما دار من نفاق وخلط أوراق وازدواجية معايير؟ أم أنها جعلت البغض أكثر غباءً في استيعاب أبسط الحقائق في التمييز بين أعداء الإنسانية وأهل الإنسانية.

حوار

في الوقت الراهن، وبكل ثقة وحماس يتصدر أناس عدة حملة إعلانات رقمية وغير رقمية ويقولون عبر مقاطع فيديو ما مفاده: لا تفوت الفرصة لجني أموال طائلة عبر نشر محتوى مصور وتعلم إجادة استخدام تطبيقات الذكاء الصناعي. هذا ما شاهدته خلال تصفح عدة مقاطع فيديو لمشاهير سوشل ميديا ويوتيوبر. شخصيًّا أرى أن مجال الذكاء الصناعي مجال رحب وخلاق وأشجع على الاستفادة من آفاقه الصحيحة بكل قوة وحماسة وموضوعية. إلا أن تسويق البعض لفكرة جني الأموال عبر استخدام الجوال في صنع محتويات هابطة ونشر محتوى صور ومقاطع فيديو آخذ في الانتشار بشكل ملفت ومتنوع ويثير أحيانًا علامات استفهام !! هل النداء حقيقة أن اولئك المسوقون يسعون لجعلك ثريًّا أم أنهم يمررون عبرك أجندات رقمية ونماذج سلوكية تمكن آخرون فيها من السيطرة والتمدد الرقمي والتهكير المعلوماتي وغييب الوعي.

للمقارنة، لعل أشهر قصة عن الترويج المختلق في إحدى دول الغرب التي لم يسمع عنها إلا القليل من الناس، هي قصة تسويق صورة لجني أرباح طائلة. والواقع أن الصورة آنذاك هي صورة لأول امرأة تجردت من ملابسها بالكامل أمام عدسة الكاميرا، وانتشر بيع صورتها عبر حقوق الطبع في عدة مناطق حول العالم وحققت الصورة عوائد مالية كبيرة لمالكها بعد إعادة طباعتها بمكاسب فاقت آلاف المرات لصورة واحدة. فانطلقت بعد ذلك حملة مسعورة تسويقية لذلك الأنموذج غير الأخلاقي من التجارة بالصور والمنتجات عبر ترويج الصور الإباحية، وتلتها ثقافة البورنو (العراة) ومن ثم تشكيل ثقافة نوادي وشواطئ ومواقع إلكترونية وescorts تحت مسمى التجارة الحرة وحرية الجسد من منطلق شعار (جسدي حريتي) والتكسب من ذلك كله. ووصل الحد بغالبية ساحقة من بعض سكان بعض البقع الجغرافية في العالم بعدم ممانعتهم بأن يتولى أمرهم من يشاهر بالرذيلة وانعدام الحياء وانتفاء الأخلاق طالما تدر عليهم تلكم الأمور معائشهم !! حتى انفجرت حديثًا قضية الجزيرة الملعونة وانصدم كل سكان المعمورة بحجم الخزي الذي انحدر إليه مرتادوها؛ وكان أحد أكثر نجومها هو ذاك الذي ترأس قومه ردحًا من الزمن وكان يراود الأفعال الشنيعة بصور يندى لها جبين الإنسانية.

هنا يقف الإنسان ذو القيم والدين والمسؤولية والأخلاق في مفترق الطرق. مال حلال عبر موارد وسبل مشروعة دينًا وعرفًا وأخلاقًا، أو مال حرام مسهل تجاريًّا ومسوق له رقميًّا؟!

جملة اعتراضية: الصحافة العالمية والمتنفذة عالميًّا تشن حملات مستمرة ومستعرة في تشويه ديانة مرتكب أي سلوك حتى لو كان عراكًا بالأيدي أو سلوك طائش من شاب متهور بأن تصف دينه بالإرهاب والإذلال للنساء وقمع الحريات واستعباد الأطفال … إلخ. ولكن الغريب أننا لم نسمع أي تنديد أو تشويه لديانات مفتعلي الفضائح المذكورة ولا سيما صاحب الجزيرة سيئة السمعة لا من قريب ولا من بعيد !! أليس هذا الأمر مثيرًا للانتباه ويجب تحصين النفس من تبعاته؟

مصادر نظيفة ومصادر ملوثة

كمية الوثائق المنشورة حتى الساعة عن فضائح الجزيرة سيئة السمعة والفضائح الأخرى كتسريبات بنما وأنرون، ينم عن سقوط أخلاقي فضيع لجزء كبير ممن يدعون بانتسابهم للبشرية حيث ترأس بعضهم مراكز أحداث تاثير وصنع قرار في مجالس الأمم المتحدة والبنوك الفيدرالية والأعمال السينمائية وعالم الفن وصناعة الأزياء وقرار انطلاق الحروب و … و..إلخ .

الإنسان بصير على نفسه في الاقتداء بمن يريد الاقتداء به، ولن يجدي في نهاية المطاف أن يبرر للآخرين بأي تبرير أنه وقع في السقوط للهاوية. وعليه فالإنسان الحريص يمحص مواقفه ويعيد حساباته ويدقق في منطقه وتفكيره ويسعى جادًّا في انتقاء المصادر النظيفة وتجنب المصادر الملوثة للمال والفكر كما للشرب والأكل والغذاء الروحي والعقائدي والأخلاقي والسلوكي والاجتماعي.

الشهرة الإعلامية أو تصدر شاشات التلفاز وعلو المراكز الوظيفية لا تخدع الإنسان الحصيف في تمحيص القدر الأمثل لبلوغ رضا الله وكسب الدارين.

تجارة رابحة مع الله

في عالم اليوم، الانسان العاقل لا يحتاج أن يُستدرج في حروب كلامية أو ملاسنات إلكترونية أو حفلات شتم غوغائية أو تلاعن متبادل أو مهاترات متعددة أو اختلاق عداوات أو إسعار كراهية أو صنع نبذ للآخرين أو إضرام نار جلافة أو التشهير باتباع ديانة ما؛ الإنسان العاقل كل ما عليه الآن هو تسويق الأنموذج الأخلاقي الأمثل الذي يملكه في تراثه الأخلاقي والتسويق له بالقول والعمل الصادق؛ وعرض امثلة جميلة عنه وبأساليب جذابة وراقية ومركزة ومختصرة في العالم الرقمي والواقعي. فلا يحتاج أن ينخرط الإنسان بعد انفضاح السقوط الأخلاقي لعدد كبير من أبالسة المشاهير بحملات تناقل أساليب شتمهم، فهناك من قام بذلك بشكل مهني محترف وغير مهني؛ ولكن على الانسان الحكيم أن يستعرض كنوز مكارم الأخلاق لدى النبي (محمد) (ص) وآل النبي الكرام لكامل ابناء الارض في الفضاء الرقمي والواقعي لسد فجوة الخذلان وفقدان الأمل وضياع بوصلة القدوة. العقلاء والناس ذوي الفطرة السليمة والمحترمة حول العالم بعد صدمة الجزيرة سيئة السمعة، استجلت بصائرهم وأخذوا يتفقدون الحفاظ على إنسانيتهم وكرامتهم بشكل دائم. بعد زيادة تسريبات مشاهدة وتراكم الفضائح المالية والأخلاقية والجنسية حتما سينطلق عدد كبير من الناس في رحلة عقد مقارنات للنماذج المطروحة والنتائج من كل نماذج فكرية للمدارس المختلفة وإن تلبست عناوين جذابة من قبل أبناء المدارس الفكرية المختلفة وأتباع الأديان المتنوعة. وبذلك أدعو كل النبلاء وأهل الفكر القويم والقلم الرصين بأن ينشروا في الفضاء الرقمي وبأوسع النطاق وبلغات متعددة مناقب وأخلاق وسلوكيات النبي الأكرم (ص)/ وآل بيته الكرام حيث الصدق والأمانة والطهارة والعفة والتقوى والإنسانية لإبراز الأنموذج الأحق بالاتباع وضبط معايير حفظ النظام الاجتماعي من النخر (الانهيار).

نحن على أعتاب شهر رمضان المبارك وفيه أفضل ليلة وهي ليلة القدر فليجعل كل منا خبيئة مع الله بنشر مبادرة خير وتبنيها مع أفراد مجتمعه لجعل المجتمع أكثر تقوى وطهارة ونظافة وإيمان وسلوك حسن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى