أقلام

(لا تقتلني مرتين) للزرعوني رواية تتناول ثنائية الذاكرة والوجع

هاني الحجي

رواية (لا تقتلني مرتين) للكاتبة الإماراتية أسماء الزرعوني تنتمي إلى الأدب النفسي الاجتماعي، حيث تتجلى ملامح هذا الاتجاه من خلال شخصية( نورة) التي تجد نفسها في زواج تقليدي فرض عليها، فتعيش حالة من الاغتراب الاجتماعي والعاطفي، في ظل علاقة باردة مع زوجها الذي أُجبرت على الارتباط به. هذا الواقع يدفع بذكريات حبها القديم، الذي نشأ أثناء دراستها الجامعية في القاهرة، إلى الواجهة، فتستعيد لقاءاتها مع الشاب الكويتي الذي أحبته، ولكنها لم تتمكن من الاحتفاظ بأية وسيلة تواصل معه، وكأن هذا الحب ظل معلقًا في الذاكرة أكثر منه في الواقع، كما يتجلى في قولها:

“الحب يتغذى على أرواحنا ليحيا هو أبدًا… ونموت نحن في كل لحظة.”

تتفاقم الأزمة حين يظهر هذا الحبيب مجددًا عبر العالم الافتراضي، لتدخل نورة في صراع داخلي حاد بين انتمائها لعائلتها وأسرتها، وبين مشاعرها القديمة التي لم تخمد. فهي أم ناجحة على وشك تزويج ابنتها، ولديها ابن تخرج من كلية الهندسة، ومع ذلك تعيش تمزقًا بين حياة زوجية رتيبة باردة وحنين جارِف إلى ماضٍ عاطفي دافئ. ويظهر هذا التمزق بوضوح في تساؤلاتها الداخلية:

“هل كان يلعب بمشاعري أم كنت مجرد تسلية؟ لم أستطع أن أقنع نفسي إلا بالحب، وبحثت عن أعذار لأحتفظ بالصورة الجميلة التي رسمها في خيالي.”

يبلغ هذا الصراع ذروته حين تلتقي به صدفة في لندن، فتجده واقفًا أمامها، وكأن الزمن يعود فجأة إلى الوراء، لتقف أمام خيار حاسم بين استعادة الحب القديم أو التمسك بأسرتها. وفي لحظة مفصلية، يأتيها اتصال من زوجها (بوعيسى) وكأن الساردة تضع البطلة أمام اختبار أخلاقي وإنساني، فتختار (نورة) صوت العقل، وتطلب من زوجها أن ينتظرها في المطار معلنة عودتها إلى بيتها وأسرتها رغم اشتعال الحنين في داخلها ورغبتها في استعادة ما فقدته من حب كما تعترف:

“خليني أعيش الحلم مرة يا سلمى، خليني أحكي لك، خليني أشعر بالسعادة ولو للحظات.”

تتقاطع في الرواية أسئلة الهوية الاجتماعية مع أوجاع الذاكرة وفقدان الحبيب حيث تنجح الزرعوني في بناء سرديتها على التوتر الداخلي للبطلة حتى وإن جاء ذلك على حساب تصاعد الأحداث، إذ تتحول الذاكرة إلى مساحة للألم المستمر لا مجرد استرجاع للماضي.

العنوان ودلالته

يحمل عنوان الرواية (لا تقتلني مرتين) دلالة رمزية للقتل المعنوي؛ فالقتل الأول يتمثل في فقدان الحبيب والانكسار الناتج عن ضياع الحب القديم، أما القتل الثاني فيتجسد في استحضار الألم وجلد الذات،واستمرار أثر الصدمة مع عودة الحبيب في العالم الافتراضي لتواجه البطلة واقعًا مغايرًا. كما يمكن قراءة القتل الأول في تزويجها بالإكراه من ابن خالتها بما يمثله من إخماد لمشاعرها، بينما يتمثل القتل الثاني في تخليها عن حبها القديم لاحقًا حفاظًا على بيتها وأسرتها.

البناء السردي

تعتمد الرواية على المونولوج الداخلي بوصفه أداة رئيسة في كشف أعماق البطلة حيث تُروى الأحداث من خلال ذاكرتها وتأملاتها مع توظيف تقنية استرجاع الماضي (الفلاش باك). ويأتي الزمن مشظّى خاضعًا للحالة النفسية المتقلبة التي تعيشها نورة، وهو ما يتجلى في ترددها وأسئلتها التي لا تجد لها إجابة حاسمة، كما في قولها:

“هل كان يلعب بمشاعري أم كنت مجرد تسلية؟”

وهي تقنية – كما أراها – تجعل القارئ شريكًا في تشكيل الحدث، لا مجرد متلقٍ له.

الشخصية الرئيسة في الرواية

تتمثل في (نورة) شخصية قلقة ومتوترة تعيش بين ذاكرة الماضي وآلام الحاضر، وقلق المستقبل. فهي عالقة بين ما كانت تحلم به في تجربتها العاطفية، وما تعيشه من قسوة في واقعها الزوجي، وهو ما يجعلها في حالة مراجعة دائمة لمشاعرها وتبرير اختياراتها، ومحاولة الحفاظ على صورة مثالية للحب رغم تصدعه.

أما الشخصيات الأخرى فتأتي بوصفها شخصيات مساندة، توظفها الكاتبة لاستحضار تحولات اجتماعية شهدتها الشارقة والخليج عمومًا في ظل الطفرة الاقتصادية والتغيرات الثقافية. ويتجلى ذلك في نماذج مثل (أم سمير) التي تحدّت مجتمعها وتزوجت من عامل آسيوي، أو صديقتها التي تشاركها همومها، إضافة إلى استدعاء ملامح الحياة الشعبية القديمة وما اتسمت به من بساطة وتآلف اجتماعي، كما يظهر في المقطع:

“عندما أخبرتها والدتها أن الأسبوع القادم زواجها، أخذتها نوبة بكاء، لم تفكر إلا بالخالة سميرة البحرينية… نعم، تزوجت عبد الحميد الباكستاني وهاجرت من البحرين.”

الثيمات الرئيسة للرواية

تنهض الرواية على ثنائية الذاكرة والوجع، حيث تتحول الذاكرة إلى عبء نفسي يثقل كاهل البطلة، وتصبح استعادتها شكلًا من أشكال التعذيب الداخلي، يتكرر مع كل استحضار للماضي.

الخيانة والانكسار

تتجلى الخيانة هنا في بعدها العاطفي، بوصفها نتيجة للانكسار الذي تعيشه البطلة في زواجها، إذ تبقى مشاعرها معلقة بالماضي، مما يؤدي إلى فقدانها الثقة بنفسها وبالآخرين، وخاصة زوجها.

الهوية الزوجية

تعيش (نورة) حالة من التمزق بين انتمائها لأسرتها ورغبتها في الهروب من واقعها الزوجي، فتتأرجح بين الحنين إلى الماضي ومحاولة التكيف مع الحاضر، مما يخلق لديها اغترابًا نفسيًا يدفعها للبحث عن هويتها العاطفية.

الموت الرمزي

لا يُقدَّم الموت هنا بوصفه نهاية بيولوجية، بل كتحول نفسي وفقدان للمعنى، حيث تعيش البطلة نوعًا من “الانطفاء الداخلي” رغم استمرارها في أداء أدوارها الاجتماعية.

اللغة والأسلوب

لغة الرواية جاءت مباشرة وسلسة حيث تُوظف لنقل عمق التجربة النفسية للبطلة وتعزيز الإحساس بالألم. ويمكن تصنيف العمل ضمن الأدب النفسي الاجتماعي، لنجاحه في الغوص في أعماق الشخصية، وتصوير الصراع بين هشاشتها النفسية وصلابتها الاجتماعية.

لا تعتمد الرواية على الحبكة بقدر اعتمادها على بناء الحالة الشعورية، إذ تقدم صورة لامرأة تعيش تحولات نفسية واجتماعية بين جيلين وفضاءين، وقد نجحت الزرعوني – في رأيي – في بناء سردية نفسية واجتماعية راهنت فيها على التأمل أكثر من الحدث، مبتعدة عن الإثارة، ومقتربة من عمق التجربة الإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى