أقلام

الصندوق السري للسيد علي الناصر السلمان .. الأب الأخلاقي لكونفشيوس

ظننتُ أنكَ كغيركَ، ينتهي حزنك بنهاية أيام العزاء، لم أعلم أنه للتو بدأ.

كمال الدوخي

ظننتُ أنكَ كغيركَ، ينتهي حزننا عليك بنهاية أيام العزاء، لم أعلم أنه للتو بدأ.

للتو بدأنا نلتفت لعمق الجرح.

وحجم الفراغ.

وعظيم المصاب، ووحشة الطريق، وشعور اليتم.

ما أظلم الدمام بعدك وما أوحشها، ويا غربتنا فيها من دونك.

أنبكي حنيناً لصوتك الذي لقننا الأوراد والصلوات، أم نبكي حكيماً نستند عليه حين تشتد الخطوب، أم نبكي اشتياقاً لابتسامتك المشرقة التي كنا بها نستشعر أماناً لم نفهم سره قبل الرحيل، أم نبكي أباً يشفق علينا فرداً فردا بأبوية وعفوية وصدق، والآن ما عاد بيننا.

الفجيعة الفجيعة بفقدك يا أبا هاشم. بمقدار ما نبكي عليك فقداً نبكي أنفسنا حسرة، جرعتنا اليتم وآباؤنا بيننا، وجددت اليتم لآبائنا.

وعلى الرغم من الحزن الذي يرافق أنفاسنا كمدا، سأحاول فهم العلاقة التي تربطنا بك، وفق رؤية مختلفة عما قرأت وسمعت.

فلسفة العلاقة بين السيد الأب والمجتمع:

في قراءة فلسفيةاجتماعية لشخصية السيد علي السيد ناصر السلمان (رضوان الله تعالى عليه)، لا يمكن مقاربتها بوصفها دوراًدينياً تقليدياً، بل باعتبارها نمط قيادة أخلاقيةأبوية تتشكل عبر الممارسة اليومية، وتحول فيها سماحته إلى مرجعية اجتماعية مقبولة بالحب لا بالسلطة، وبالقدوة لا بالإكراه.

تلتقي شخصية السيد الراحل مع ما يسميه ماكس فيبر بالسلطة الكاريزمية، لكنها ليست كاريزما خطابية أو استعراضية، بل كاريزما نابعة من السلوك المتجسد. فحضوره في بيوت الناس، مشاركته طعامهم، مواساته مرضاهم، اقترابه منهم كل ذلك حول السلطة من مفهوم الهيمنة إلى مفهوم الاحتواء.

غير أن تجربته تتجاوز فيبر؛ لأنها لم تعتمد على الاستثناء أو التفوق، بل على الأبوة الأخلاقية التي تشبه ما وصفه كونفوشيوس بالأب الأخلاقي يصحح بالسلوك قبل القول، ويؤسس النظام الاجتماعي عبر القدوة والرعاية والمسؤولية، تماما كما يصف نبي الله كونفوشيوس إن صدق خبر من قال بنبوته.

لذلك لا يخطب السيد عن الوفاء إلا وتجد وفاءه لكل من حوله، سواء كانوا مستحقين لهذا الوفاء أم ليسوا أهلاً له، وكم من جمع تكالب على السيد فما وجدوا من السيد إلا تقدير العشرة، فإن مرض منهم مريض أعاده وإن مات منهم رجل وقف على جنازته ولم يهتم لأخلاقهم اتجاهه بل اهتم لخلقه تجاههم.

عندما تمر بسماحته، فتتحدث عن أمر يخصك، مشكلة أو عارض صحي، بعد سنوات لو مررت به سيسألك عن ذلك الأمر، هو لم يستمع إليك حينها، هو أصغى بكل حواسه لك، وبعد رحيلك استشعر ألمك بأبوته لذلك لم ينسَ ما تحدثت به، كما أنك لا تنسى ما يشكو منه طفلك وإن نسي طفلك شكواه.

الفعل التواصلي وبناء الثقة:

من منظور يورغن هابرماس، يمكن فهم تجربة السيد علي ضمن إطار نظرية الفعل التواصلي؛ إذ لم تكن أحكامه مفروضة بقوة الموقع، بل نابعة من إجماع أخلاقي تشكل عبر التجربة.
قبول الناس لحكمه بحب وتعظيم يعني أن شرعيته كانت تواصلية لا قسرية؛ فهو لم يحكم فوق الناس، بل من داخل عالمهم المعيشي. ينقل لي أحدهم، أن والدته اختلفت مع والده خلافاً امتد لسنوات، فما وجدنا غير سماحته قادراً على رأب الصدع بينهما، فيقول بدأ السيد كلامه مع الأم فيقول وجد والدته تقول للسيد بأنها (راعية واجب) وتقوم لزوجها بكامل حقوقه وأنها امرأة مهتمة بزوجها حتى بالطبخ (وأنت يا سماحة السيد تحب طعامي وبنفسك تثني عليه).

هنا يقول أحد الأصدقاء وهذا يعرفه الجميع بأن سماحته عندما يدخل منزل يحرص أن يأكل من طبق صاحبة المنزل، ويثني عليه ثناء لا تنساه المرأة إذا وصل لمسامعها، ومن هذا المدخل أكد لها سماحة السيد بأنه يشهد لها بذلك، فما قام وإلا بالمرأة قد صفحت عن خطأ زوجها.

في علم الاجتماع عند بيير بورديو، يعد ما امتلكه السيد الراحل نموذجاً خالصاً لرأس المال الرمزي؛ مكانة غير مكتوبة، لكنها فاعلة، تتأسس على النزاهة، والتجرد، والاستمرارية.
اثنتان وخمسون سنة من العيش بين الناس لا فوقهم بمدينة الدمام، صنعت رصيداً أخلاقياً تراكمياً جعله مرجعاً لحل النزاعات وإصلاح ذات البين ليس بين عامة الناس، بل بين النخب والتجار ورجال الدين، دون حاجة إلى أدوات ضغط أو نفوذ رسمي.

ومواقفه القوية لم تكن مواقف مواجهة عبثية، بل ما يمكن تسميته بحسب أنطونيو غرامشي الهيمنة الأخلاقية؛ أي القدرة على قيادة المجتمع عبر القيم المشتركة، لا عبر الصراع.
لقد أسس مجتمعاً متماسكا عبر التربية، والتوعية الدينية، وبناء الضمير الجمعي، لا عبر الخطابة الحادة أو الاستقطاب.

فكان مشروعه الحقيقي ليس إدارة الناس، بل تشكيل الإنسان، وليس فرض النظام، بل إحياء الضمير.
وهذا هو الفارق الجوهري بين من يمارس دوراً، ومن يصنع معنى اجتماعياً يعيش بعده.

مرجعية محلية وخليجية:

تبرز مسألة الحب والرمزية العابرة للمكان بوصفها مفتاحاً لفهم عمق حضوره التاريخي والاجتماعي. فأن يأتيه الناس من الأحساء، والقطيف، والمدينة المنورة، ومن دول الخليج، ليس حدثاً عابراً ولا مجرد شهرة؛ بل هو تعبير عن تشكل رمزية جامعة نادرة، لا تُصنع بالمنابر ولا تُفرض بالانتماءات، بل تنمو ببطء عبر الثقة والصدق والديمومة.

في علم الاجتماع الرمزي، يفهم الرمز بوصفه نتاج اعتراف اجتماعي طوعي. ووفقاً لشارل تايلور، فإن الاعتراف هو حاجة إنسانية عميقة، ولا يمنح إلا لمن يرى فيه الناس انعكاساً لقيمهم العليا.
رمزية السيد علي لم تكن تمثيلاً لمكانة، بل تجسيداً لمعنى؛ معنى العالم الذي يريد الناس أن يعيشوه، عالم العدالة الرحيمة، والاحتواء، والأبوة، والطمأنينة الأخلاقية، هذا هو الصندوق السري الذي يخفي فيه السيد أدواته لإدارة المجتمع والطائفة.

اجتماع الأغلبية على محبته يشير إلى أنه تجاوز منطق الانقسام الاجتماعي، ودخل في ما يسميه إميل دوركايم بالضمير الجمعي؛ حيث تتحول الشخصية إلى نقطة التقاء أخلاقي، لا إلى طرف في صراع.

وهذا ما نجده في مجلسه، فعندما يحضر كبار رجال الأعمال ومن أسر مثل الجبر وبالحمر والعطيشان وغيرهم، هذا يدل على شخصية جامعة لكل أبناء الوطن.

الانفعال المبرر:

فلسفة الفضيلة لدى ارسطو ترتكز على الوسط الفاضل، بين الافراط والتفريط أي توازن الانفعال مع العقل العملي، انفعال السيد علي في بعض المواقف وأمام الملأ، والذي ترك لدى بعض من في قلوبهم مرض مساحة لتشنيع على السيد، تحت عناوين مختلفة، لم يكن مجرد رد فعل عاطفي عابر، بل كان تجسيداً حياً للقيم الأخلاقية والمبادئ التي آمن بها طوال حياته. حين ينفعل، يبيّن للناس أن هناك حدوداً لا يمكن التهاون فيها، وأن الحق والعدالة أهم من أي اعتبار شخصي. ومع ذلك، سرعان ما يهدأ ويعتذر، مظهراً التواضع وحرصه على إصلاح العلاقات والحفاظ على وحدة المجتمع. هذا التوازن بين الانفعال والاعتذار يحوّل المواقف اليومية إلى درس عملي في الأخلاق والرحمة، حيث يصبح الانفعال وسيلة لحماية المبادئ، والاعتذار وسيلة لإعادة الانسجام الاجتماعي وتقوية الثقة المتبادلة.

الانفعال في محله ليس تناقضاً مع حلمه وحكمته، بل استراتيجية أخلاقية متقنة تجمع بين الحزم والرحمة، وتحول الشخص إلى رمز للضمير الجمعي الذي يوحد الناس حول القيم المشتركة، لا حول الخلافات. حضوره بين الناس يعلم أن القيادة ليست سلطة أو تفوقا، بل مسؤولية، وأن القوة الحقيقية تكمن في حماية المبادئ مع مراعاة الإنسان الآخر. بهذه الطريقة، يصبح سلوكه نموذجا حياً لتطبيق أن الحب والاحترام ينبعان من التوازن بين العاطفة والمعايير الأخلاقية.

السيد القاضي:

حكمة السيد علي السلمان في التقاضي تجسد ما وصفه أرسطو بالعدالة بوصفها فضيلة عقلية تقوم على التثبت وسماع جميع الأطراف قبل الحكم. لم يكن ينحاز، ولا يحكم في غياب أحد الخصمين، ولا تأخذه في الحق لومة لائم، في انسجام مع مفهوم الواجب الأخلاقي عند كانط. ووفق هابرماس، فإن عدالته اكتسبت شرعيتها من نزاهة الإجراء والحوار، فقبِل الناس حكمه بالرضا والطمأنينة لا بالإكراه أو الخوف.

لذا كان حكما بين العلماء قبل عامة الناس، وبين رجال المجتمع والتجار، ويأتي له الناس من مناطق بعيدة ودول الخليج يرتضوه حكما بينهم، ويقبلون بحكمه ثقة به.

في يوم من الأيام أتاني اتصال منه، وعلمت أن أحدهم شكوني له،وخشيت الرد حينها، فاتصلت بالأديب جاسم المشرف، وكان يعرف بالأمر، فقال لي بأن السيد لا يسمع لطرف ويصدر حكما بل يريد أن يسمع منك، قلت لأبي طالب لم استطع الرد لأنني إن قال تنازل تنازلت، فعندما ذهبت إليه وجدته قلقا علي، عاتبا لما لم أرد على اتصاله، فاستوضح الأمر وقال لي وبعينيه شيء من الألم خسرناك لسنوات لا نستطيع خسرانك مرة أخرى، عندها اختنقت وخرجت من عنده لا أريد حقاً أطلبه، بل أريد ثمنا ممن أوقع الحزن في عينيه.

كلمة الوداع:

عندما كنت صغيرا، وأرى السيد وصل المسجد بسيارته القديمة تلك، أركض نحوه لتقبيل يديه أنا ومجموعة من الأطفال في فناء المسجد.

مع الأيام اتفق معي المؤذن السيد حسين العوامي رحمه الله بأن أخرج وانتظر السيد كل ليلة جمعة حتى أبلغه إذا وصل السيد، كي لا يسبقه مؤذن آخر بالأذان، ففي تلك الفترة كان الأذان يصل لمرحلة الفوضى وربما يقوم اثنان في ذات الوقت للآذان.

فصرت ليلة الجمعة أسرع نحو المؤذن لتنبيهه بوصول السيد، وهكذا كبرت وأنا أعشق تنبيه الناس بوصول السيد ونشر أخباره، وسبق أن أنشأت له موقع لم يدم طويلاً، لكن ليلة التاسع عشر من يناير لم يصل السيد، بل غاب، صحوت على أكثر من ٦٠ مكالمة ومئات الرسائل، نعم لم يصل السيد بل غاب، ولم أنشر خبر الغياب، لأنني لستُ معنياً  بخبر الغياب، أنا كنت عند الباب أنتظر وصول السيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى