أقلام

شهر يناير الجاري

أمير الصالح

الهروب الشتوي

مطلع كل عام جديد، اعتاد غالبية سكان الأرض تقديم التهنئة فيما بينهم، ولا سيما الموظفين ورجال الأعمال حول العالم، بمناسبة بدء العام الجديد بالقول لبعضهم البعض ” happy new year – عام ميلادي سعيد ” ؛ تفاؤولًا من الجميع بعام أكثر رخاءً وازدهارًا وسعادة وسلامًا ونموًّا وتقدمًا و استقرارًا وأقل ضجيجًا وأقل حروبًا وأقل فقرًا وأقل جرائمًا وانعدام الخسائر. وفي شهر يناير من كل عام اعتاد غالبية سكان شمال الكرة الأرضية أن تنخفض حرارة الطقس وتتساقط بعض الأمطار أو بعض الثلوج، ويشتد الشتاء لبلوغ ذروته، إلا أن الشتاء لهذا العام مختلف للغاية بما جال وصال واحتوى من أحداث غريبة ومتسارعة أحدثها أو صنع معظمها شخص واحد أو مجموعة أشخاص. اليوم هو ٢٧ يناير ٢٠٢٦م، ومنذ مطلع هذا العام الميلادي الجديد وفور دخوله بدأت أحداث عالمية ساخنة جدًًا اقتصادية وغير اقتصادية؛ ومطلعها أحداث دولة فنزويلا بحمل رئيسها من مقر إقامته إلى دولة أخرى لمحاكمته، وتعميق الحروب التجارية بين إدارات عمالقة دول الصناعة العالميين عبر تراشق فرض الرسوم الجمركية العالية والرفع المضاد، ومرورًا بأزمة الثقة بالأوراق المالية للعملات الصعبة، وتجاذبات أطراف حلف النيتو بموضوع أراضي جرين لاند، واستمرار وتيرة تصاعد الحروب الأهلية بعدة دول إفريقية، وانبثاق التحالف التجاري المفاجئ بين كندا والصين (١٦ يناير)، وخطاب رئيس وزراء كندا (السيد مارك كارني) الشهير والمفاجئ من على منصة مؤتمر دافوس الاقتصادي الحالي (٢٠ يناير)، وتوقيع مذكرة تجارة حرة بين أوربا والهند ( ٢٦ يناير )، والتي عبرت عنها جريدة الشرق الأوسط بأم الصفقات، والهجوم المتوقع إضرامه على إحدى الدول المطلة على الخليج، وتوتر الخطابات العابرة للقارات على أكثر من صعيد، والتحشيدات العسكرية في أكثر من بحر حول العالم، والتحديات الاقتصادية والتضخم المستمر، وارتفاع أسعار الذهب والفضة التاريخي، وتسارع خطى الرقمنة التطبيقية، وتمدد الاستخدام للعملات الرقمية، وصراع العمالقة للاستحواذات التقنية في مجالات عدة للضمان، والصراع شبه المعلن على الموارد الطبيعية والمعادن النفيسة. كل تلكم الأحداث والتوقعات الرمادية سلبت أو خفضت منسوب التفاؤل عند عدد كبير من المراقبين والمتابعين للأحداث، ول اسيما مع استمرار زخاتها المتسارعة بإيقاعها المتلاحق، وسلبت تلك الأحداث الجيوسياسية المتغيرة بعض أنماط ومظاهر الاحتفاء بالشتاء والمعتاد عليها في شمال الكرة الأرضية إلى متابعات لصيقة لجديد ما قد تنتهي به الأحداث في نهاية المطاف.

شتاء يناير المعتاد

ففي بعض دول الغرب ولا سيما الأمريكي والكندي والأوربي، اعتاد البعض هناك على الاستمتاع برياضة التزحلق المفتوح وسياحة ركوب العربات المجرورة بالكلاب، والاستمتاع بسماع سيمفونيات طبيعية تُسمى winter scape حيث أصوات deep forest blizzard & soothing and winter wind والتسامر بالحديث مع الأحبة بالمقاهي، والتسكع بالمولات المغلقة والأكل بالمطاعم. وفي شتاء دول الشرق الأوسط اعتاد عدد كبير من الناس على التخييم بالبر والجلوس بشكل حلقات حول المناقل أو المدافئ وتبادل الأحاديث والمفاكهة بالكلام والمباراة بالشعر والاستمتاع بأكل اللحوم المشوية وتناقل التجارب للأسفار وفنون آداب التعامل مع الناس والإفصاح عن بعض منعطفات الحياة والسعي لعقد تجمعات عائلية مليئة بالمودة، والتخطيط لمآدب رمضان القادم أو التشاور في محطات الصيف السياحية القادمة … إلخ.

شتاء بناير الحالي

منسوب تساقط الثلوج التاريخي ببعض المناطق والمقاطعات والمحافظات، والتضخم السعري المستمر للسلع الاستهلاكية، وركود الاقتصاد في عدة دول أجبر الكثير من الناس في أكثر من ولاية ومقاطعة ومدينة على الجلوس بمنازلهم لأطول مدة زمنية وضمور حياتهم الاجتماعية المعتادة؛ كما أجبر الطقس القارس البرودة عددًا كبيرًا من المطارات على إلغاء الرحلات الجوية لسوء الأحوال الجوية. أي أن البعض احتبس لظروف جوية قاهرة. زاد الأمر سوءًا أن الأحداث العالمية آخذه في منحى تعدد الاستقطابات وتناثر التهديدات واتساع آفاق الحروب الاقتصادية.

القصة الرئيسة

في نشرات الأخبار العالمية في محطات NBC / CNN / BBC يعنون بعض الأحداث بالأهم (Top Story) لشد انتباه المتابع والمشاهد؛ والواقع أن الأحداث التي نعيشها حاليًّا في كل مضمار أضحت كلها قصص مهمة جدًّا وهي تندرج تحت مسمى Every story is top story

خبر التهديد بقرع طبول الحرب في الخليج بمنطقة الشرق الأوسط الساخنة من الأساس، وعلى مدى أكثر من ثلاثة أسابيع، ولا سيما بعد تحشيد الأساطيل الحربية في بعض البحار المجاورة، جعل أحاديث المجالس والديوانيات والبورصات والأسواق جميعها، والتوقعات والتحليلات ونشرات الأخبار هو ما قد يحدث من تطورات، ومتى وكيف تنتهي الأمور هناك، فأضحى الناس بين متفائل بعدم وقوع حرب أو بوقوع حرب خاطفة، ومتشائم بوقوعها واستمرار نزيف المنطقة ماديًّا ونفسيًّا، بين حذر وقلق ومشوش لصورة ما بعد الحرب، وآخر متطلع لما عند الله من خير وحفظ وبركة ووعود صادقة. فالذين يؤمنون بوجود الله يعتقدون بأن الله لن يجعل أمر عباده الصالحين ومصير سكان الكرة الأرضية بيد أي أحد سواه، وإن زادت شوكته واستطالت نفوذه. شهر يناير الحالي بما عج ويعج به من أحداث بحق يطابق الجملة الشهير لأحد مذيعي الفضائيات العربية (مصطفى الريدي/ روتانا سينما) ، ” مش حتقدر تغمض عينيك “.

دور الإيمان بالله

تسارع الأحداث وتبخر المدخرات وتآكل الطبقة المتوسطة تؤكد حقيقة واحدة وهي أن المؤمنين بوجود الله القوي الجبار، أن الكلمة العليا لله وهو صاحب القوة المطلقة، وأن الله يستطيع أن يغير الموازين لصالح الصالحين من عباده بتسارع أكبر مما شهدناه في شهر يناير الجاري؛ وأن الله أهل الوفاء بعهوده وهو أصدق الصادقين؛ ولو بقي من عمر هذا الكوكب يومًا واحدًا لأطاله الله حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا. فالإيمان بالله جل جلاله يُجذر روح الاطمئنان بأن عواقب الأمور إلى خير حتى مع وجود خطابات تشاؤوم وأحداث مأساوية وتحاليل إخبارية سوداوية وأن الأمور بخواتيمها هي لصالح الانسان التقي والنقي السريرة والأصلح بخلافة الله في أرضة. ولكن كيف أعرف الصالح من الطالح في ظل وجود خطابات إعلامية مشتته ومتضاربة. أدر السؤال نحو نفسك الآن ومحّص فهمك للحق والعدل والقيم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى