
السيد فاضل آل درويش
حينما يتحوّل عامل الزمن إلى محطة بناء وتقوية في شخصية الإنسان وسعيه نحو التكامل العبادي والنفسي والأخلاقي، فالإشارة تكون إلى محطة شهر شعبان وما يحمله من مكتسبات وومضات ربانية، والتي تحتاج إلى إرادة وهمة عالية في ميدان العمل المثابر دون توانٍ أو تكاسل.
فالزمن ليس بعنصر محايد يمرّ عابرًا في حياة الإنسان، وليس بالإطار الصامت الذي تتحرّك داخله الوقائع دون غاية، بل هو مفهوم حي متداخل مع الوعي الإيماني يحمل رسالة تربوية عميقة، ويشكّل أحد ميادين الامتحان الإلهي الكبرى، فالزمن فرصة وجودية تتجلّى فيها العلاقة بين الإنسان وربه، يبني فيه معالم القرب والطاعة ومسار السعي نحو الخير والصلاح، وبين الاختيار والمصير الذي يكون نتيجة حتمية لما قدّمه من أعمال خير وصلاح أو خلافها.
عندما يقسم القرآن الكريم بالزمن كما في قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، ﴿ وَالضُّحَى ﴾، فإن هذا القسم يكشف عن قيمة الزمن بوصفه شاهدًا وحاكمًا ودليلًا على أفعال الإنسان وميزانًا لخسارته أو فلاحه، فالقسم ليس تعظيمًا للشكل الظاهري للزمن بل هو تنبيه إلى ما يختزنه من إمكانات روحية وأخلاقية تصنع الإنسان المكرّم، وتنبيه على ما يترتّب عليه من مسؤولية يتحملها وأمانة يقوم بها بما يتناسب مع قدراته وطاقاته التي عمل على تنميتها وتطويرها.
الزمن وعاء العمل وبه يمتاز أصحاب الإرادة الذين انخرطوا في ميدان العمل، والعمل هو المعيار الحقيقي لقيمة الإنسان وما حقّقه من منجزات متعددة في مختلف الميادين والأبعاد، لذلك ارتبط الزمن بالإيمان ارتباطًا وثيقًا حيث يمكن للإنسان من خلاله أن يسلك طريق الطاعة والعمل الصالح وصنع المعروف، فمن وعى قدسيته ومكانته وتأثيره على مسار حياته أحسن استثماره واغتنام الفرص فيه، وأما من غفل عنه ومرت عليه الساعات والأيام دون حراك منه عاش في دائرة التبديد والخسران، وخصوصًا إذا أحكمت الغفلة جوانب تفكيره ولم يتوقف أمام مرآة النفس ليدقق في عملها ويحاسبها على ما يصدر منها، وقد جاءت سورة العصر لتختصر فلسفة الزمن كلها في معادلة واضحة، خسران شامل إلا لمن وعى الزمن بالإيمان وفعّله بالعمل الصالح، وضبط مساره بالحق وثبّت خطاه بالصبر.
وتتجلّى حيوية الزمن من خلال تعاقب المواسم العبادية، فشهر رمضان محطة لإعادة بناء الروح ومدارسة القيم الأخلاقية والتحلّي بها، والليل والنهار فضاءان للتكامل بين السعي والعمل الجاد والسكينة والإخلاد إلى الراحة، كما أن الزمن يرتبط بالمسؤولية الفردية فكل لحظة تمضي هي أمانة، ولذا جاء التأكيد على المحاسبة واستثمار العمر واستشعار قرب الأجل، لابوصفه باعثًا على القلق بل دافعًا و محركًا نحو الوعي والتخطيط المدروس.




