
عبدالله الرستم
يُعد يوم الجمعة من الأيام المهمة من بين أيام الأسبوع، وذلك لما يحمله من قيمة دينية واجتماعية، وتتصاعد الأهمية في صلاة الظهرين والخطبة التي بينهما، أو خطبة الجمعة لصلاة الجمعة، وبلمح البصر على كل البلدان والمجتمعات الإسلامية فإن منظرًا جميلًا تعلوه الهيبة حال توجّه المسلمين نحو المساجد، حيث يصطحب الآباء الأبناء معهم لأداء الصلاة، متجلببين بملابسهم النظيفة أو الجديدة كلٌ بحسب عاداته وتقاليده في اللباس، ومتشوقين للصلاة جماعة تاركين أعمالهم وشؤونهم للمشاركة في هذه الفريضة؛ ومتحمسين في الوقت ذاته لاستماع الخطبة التي تُتلى عليهم من قبل إمام الصلاة.
وتُشكل الخطبة في نظر الجماهير التي أتت للصلاة أهمية كبيرة، يتوقون إلى استماع موعظةٍ تذكرهم بالله سبحانه وتعالى، يتخللها اقتباسٌ قرآني أو روائي أو شاهد اجتماعيٌ تعزيزًا للموعظة أو الفكرة المطروحة، ومنشدّين إلى ما سيقوله الخطيب من معالجة ظاهرة اجتماعية أو تربوية.
ومما يلفت الانتباه أن بعض خطباء الجوامعِ لديهم عناية كبيرة في خطبة الجمعة، استثمارًا لهذا الجمع الكبير الذي أتى لمشاركة المسلمين للصلاة جماعة، كأن يجتهد الإمام في محتوى الخطبة من حيث التحضير، واختيار الكلمات المناسبة، واستثمار بعض المناسبات الإسلامية من خلال تسليط الضوء عليها، .. إلخ، وهذا لاشك أن له أثره الكبير في جذب الناس للصلاة جماعة في هذا اليوم، ومتفاعلين في الوقت ذاته مع الخطبة التي انتظمت أفكارها، واتسقت كلماتها، وهذا الأسلوب مما يجعل من بعض المستمعين في إعادة جدولة شؤون حياته، وضبط البوصلة بحسب نوع الخطبة.
وخلاف ذلك يوجد عند بعض الأئمة ممن لا يلتفت إلى قيمة الخطبة في مثل هذا اليوم، والتي إما أن تكون مرتجلة غير خاضعة لاستعدادٍ مسبق، مما يتخللها هشاشة في اللفظ، وتعقيدًا في الفكرة، واستطرادات تُشتت ذهن المستمع، ومحتوىً لا يرقى أن يُطرح على مسامع تلك الحشود التي أتت لتكسبَ أكثر من فائدة لحضور الصلاة، وكأن المتحدث يخاطب نفسه أو أفرادًا يحملون فكرًا محدودًا.
وما يمكن الإشارة إليه أن خطبة الجمعة حريٌ أن تتضمن على محتوىً له خصوصيته من جميع الجهات، وعلى الخطيب أن يكون حريصًا كل الحرص في قراءة المشهد بعدسة كبيرة تشمل كل ما من شأنه معالجة أو تسليط الضوء على هموم الناس وقضاياهم، نعم، ليس باستطاعة أي خطيب أن يعالج كل القضايا؛ بل ليس من شؤونه معالجة القضايا التي لا يمكن أن يستوعبها، في حين بإمكانه أن يكون ذا همّة في الاستعداد الذي يتلاءم مع حجم الحضور وقدسيّة الزمان والمكان، كما أنه من الجميل أن تكون لدى خطيب الجمعة إلمامة شاملة بلغة العصر مبتعدًا عن لغة ركيكة لا تحمل ألفاظًا تحاكي عقول المستمعين، ومراعيًا كذلك عنصر الوقت، بحيث لا يطيل فيملُّ الناس منه، أو يختصر اختصارًا يراه الناس عاجزًا عن المواصلة؛ بل بحصافته عليه أن يكون وسطًا بين الإسهاب والإيجاز مع قدرته على إيصال الفكرة لأكبر شريحة ممكنة.
وتتميمًا للفائدة، فإن بعض خطباء الجوامع يجعلون من الخطبة مشروعًا فكريًّا، وليس فكرة طرأت تتفاعل في ساعتها ثم تبرد!! بل العناية تجعل من الفكرة في خطبة الجمعة إلى مشروع مقالة أو بحث أو كتاب، خصوصًا إذا جمع شرائط الفكرة من جميع جوانبها، وهذا ما يمكن أن يعزز ويشجع الناس على الحضور للصلاة بشكل منتظم يزيد مع الأيام، وخلاف ذلك البرود والتقاعس عن الحضور.




