أقلام

منشغل بالأخر

أحمد الزيلعي

تمهيد

هي دعوة قرآنية تلك التي تدعو إلى الكد والاجتهاد إلى أقصى ما يمكن في خطابها لسيد المرسلين وقدوتهم صلى الله عليه وآله الطاهرين حيث قال “فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى‏ رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)” (الشرح [٧-٨]) فمع ما عليه النبي الأعظم صلى عليه وآله الطاهرين إلا أن الناس لا تعي عمق تلك الذات المقدسة؛ فأتى القرآن الكريم ليجلي هذه الصفات المقدسة فيه _فداه نفوس العالمين _ فهو القدوة العظمى لكل ذرات الوجود. يقول العلامة الطباطبائي رضوان الله عليه وقدس سره الشريف في تفسير هذه الآية الشريفة “قوله تعالی: «فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلی‌ رَبِّكَ فَارْغَبْ‌» خطاب للنبي صلى الله عليه وآله متفرع‌ علی ما بين قبل من تحميله الرسالة والدعوة ومنه تعالی عليه بما من من شرح الصدر ووضع الوزر ورفع الذكر، وكل ذلك من اليسر بعد العسر.

وعليه فالمعنی إذا كان العسر يأتي بعده اليسر والأمر فيه إلی الله لا غيره، فإذا فرغت مما فرض عليك فأتعب نفسك في الله- بعبادته ودعائه- وارغب فيه ليمن عليك بما لهذا التعب من الراحة ولهذا العسر من اليسر.

وقيل: المراد إذا فرغت من الفرائض فانصب في النوافل، وقيل: إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء، وما يتضمنه القولان بعض المصاديق.

وقيل: المعنی إذا فرغت من الغزو فاجتهد في العبادة، وقيل: المراد إذا فرغت من دنياك فانصب في آخرتك، وقيل غير ذلك وهي وجوه ضعيفة” (تفسير الميزان).

فالخطاب متوجه للرسول صلى الله عليه وآله الطاهرين، ولكن علمنا علماؤنا أنه قدوة لنا “كل بحجم إنائه” ففي مرحلة الإقتداء بالنسبة لنا، من البدهي أن يكون إجهاد النفس بالكد والعمل في حدود، والشرع ” بين وجوبًا واستحبابًا وحرمةً كراهةً”، بترك الحرام والحد من عدد المكروهات على قد استطاعتنا وفعل الواجبات والتزود من المستحبات.

القرآن الناطق ترجمان القرآن الصامت .. معنى “فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ” أنموذج

وعلى لسان القرآن الناطق يقتنص التبيان، ولذلك ففي كلمات أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليهما السلام هناك روايات هي عين البلاغة جمعت في كتاب “غرر الحكم ودرر الكلم” الذي يجب اقتناؤه إلى جانب الكتب الحديثية الأخرى من الكافي إلى ميزان الحكمة للأنس بها، فالأُنس في اللغة “ضدّ الوحشة، وهو سكون النفس واطمئنانها إلى شيءٍ أو شخص” وعن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام):«من آنس بالله استوحش الناس، وعلامة الانس بالله الوحشة من الناس» ((الكافي، ج2)) فالقلب الذي يمتلئ أنسًا بالروايات المنسوبة لأهل البيت عليهم في الكتب المعتبرة هو يسير على الطريق المختصر للعلم والمعرفة، بل واقتناص الدرر التي لا توجد عند غيرهم مع الاستعانة بالعلماء لفهم صحيح.

عودًا على بدء -عن الدعوة للجد والاجتهاد في العمل – ورد في كتاب غرر الحكم ودرر الكلم عن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليهما السلام “لَيْسَ لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ شَاخِصًا إِلَّا فِي ثَلَاثٍ حَظْوَةٍ فِي مَعَادٍ أَوْ مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ” ففي الرواية العاقل هو المتبع لنور الشرع في الإيمان بالمعاد (عقائد) والإلتزام بأحكام الشرع (فقهيًّا) واتباع الخلق الكريم حتى في المباحات (أخلاقيًّا) إن صح هذا الفهم.

منشغل بالآخر

تبين مما مضى أن في هدي القرآن الكريم والنبي الأعظم وعترته الطاهرة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لا يسمح للفراغ أن يكون في ساحتنا ، ولكن بعض الناس للأسف ليس لديها شغل غير الناس، فهذا الصنف من “المنشغلون بالأخر” عقولهم تقول لهم كفى كفى قبل غيرهم. وعندما ينزلون لحفرة البرزخ سيلاقون دفاتر الغيبة وأمثالها.

لماذا توجد هذه الظاهرة؟

هناك أسباب متعددة قد تختلف من شخص لأخر وقد تجتمع عدة منها في شخص واحد وأذكر هنا ما أظنه سببًا:-

١. الجهل السبب الأول والأشد منه الجهل المركب، يجهل أهمية وقته والاستفادة منه. وفي الأدب الحديث صاغ ذلك أمير شعراء أحمد شوقي تنبيهًا رائعًا في بيتيه الشهيرين:-

دَقّاتُ قَلبِ المَرءِ قائِلَةٌ لَهُ

إِنَّ الحَياةَ دَقائِقٌ وَثَواني

فَاِرفَع لِنَفسِكَ بَعدَ مَوتِكَ ذِكرَها فَالذِكرُ لِلإِنسانِ عُمرٌ ثاني

فمن يجهل أن وقته أثمن ما لديه يضيعه في ما لا ينجيه.

٢. عدم وضع رؤية واضحة وأهداف لتحقيق رؤيته التي يحب أن تكون منسجمة مع الدين في حق إلهه ونبيه والعترة ونفسه وعائلته وأسرته ومجتمع إلى آخره.

٣. ⁠عدم وضوح الرؤية فقد يعي أهمية جميع ذلك، ولكنه أضاع البوصلة.

ولعل لديك أسباب أخرى أيها القارئ الكريم، فليس الهدف الاستقصاء وإنما ذكر نماذج

زمننا زمن وصول الحجة إلى جوالك

مع إنه وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها مليئة بما يفيد الإنسان لمدة سنوات بل ما هو موجود فيها لا يحيط بالمرور مرور الكرام عليه عمر أجيال وأجيال وليس إنسان واحد فمثلًا “منصة اليوتيوب” فقط حيث ينقل أنه يحتاج الواحد منا مليون سنة لمتابعة كل ما فيها بحسب بعض الإحصاءات، إلا أن هناك من لا يستفيد منها سوى ما يخدم القسم الثالث في رواية أمير المؤمنين عليه السلام “لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ”.

نعم العلم أو المعلومة الأكيدة ١٠٠٪؜ نأخذها ممن قدمه راسخة في العلم “في أي علم كان” خصوصًا أولئك الذين تخضبت لحاهم ونواصيهم بشيب سنوات الدراسة والمتابعة والخبرة العملية ومعالجة الأمور “وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ” (النحل – ٤٣) فهذه بصيرة قرآنية لعله تنطبق على كل العلوم فلكل علم أهل اختصاص وتعمق فيه يفيدون الإنسانية.

ما الحل يا سيدي؟

هذه النصيحة من المهتمين بمجال تطوير الذات التي يعرفها الجميع لعله، لا بد للإنسان من:-

– اختصاص يختص فيه دراسيًّا ويعمل في مجالاته (وظيفية).

– ⁠اهتمام .. أو قل هواية ممكن تكون في فرع من فروع الاختصاص

– ⁠تطوع .. يستحسن أن يكون قريب من الاختصاص أو الاهتمام ولو كان جميعها في المجال نفسه سينتج هذا الشخص بنسبة عالية قد تصل إلى ١٠٠٪؜

هذا التخطيط والتنظيم يرفع من كفاءة حياة الإنسان في استثمار وقته فحتى التطوع سيكون بأحسن صورة مشرقة وكفوءة.

همسة

يوم القيامة يسمى يوم الحسرة .. فمن عمل يتحسر لم لم يعمل أكثر لعظيم الثواب الذي رآه ومن لم يعمل يتحسر لماذا لم يعمل “وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ” (مريم – ٣٩)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى