أقلام

حين يصبح الإنسان حجاب نفسه الأخير

أحمد الطويل

تنويه:

هذه المقالة هي الخامسة ضمن سلسلة تأملات في كتاب حكمة العبادات للعلامة الشيخ عبد الله الجوادي الآملي، وتواصل التأمل في العلاقة بين العبادة والإنسان وما يحدث في داخله قبل أن يظهر في سلوكه.

مقدمة:

ليست المشكلة دائمًا أن الإنسان لا يعرف الحق، بل أن نفسه تنجح أحيانًا في إقناعه بأنه ما يزال قريبًا منه وهو يبتعد عنه خطوة بعد أخرى دون أن يشعر.

فالإنسان لا يسقط دفعة واحدة، بل عبر تفاصيل صغيرة تتراكم بصمت؛ نظرة يتسامح معها، كلمة يستهين بها، رغبة يبررها لنفسه، أو تعلق خفي يظنه أمرًا عابرًا بينما هو يعيد تشكيل قلبه من الداخل.

ولهذا لم تكن العبادة مجرد علاقة بين الإنسان وربه في أوقات محددة، بل حالة يقظة دائمة؛ لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ حين يعلن الإنسان انحرافه، بل حين يتعايش مع ما يحدث داخله وهو يظن أنه ما يزال بخير.

ومن هنا لم يكن أشد الحجب تلك التي تأتي من العالم وحده، بل تلك التي تتشكل داخل النفس حتى يصبح الإنسان حجاب نفسه الأخير.

الانهيار الذي يبدأ من الأشياء الصغيرة

كثير من الناس ينتظر السقوط الكبير كي ينتبه، بينما الحقيقة أن الانهيارات العميقة تبدأ غالبًا من تفاصيل يراها الإنسان بسيطة.

ولهذا يقول القرآن الكريم:﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾. فحتى حركة الشفاه لم تُترك خارج دائرة المحاسبة، لأن الكلمة ليست صوتًا عابرًا دائمًا، بل قد تكون أثرًا يكشف ما يتشكل في الداخل من قسوة أو استعلاء أو احتقار.

ويقول تعالى أيضًا: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. فالقضية ليست في الأفعال الظاهرة فقط، بل في تلك المساحات الدقيقة التي يظن الإنسان أن أحدًا لا يراها.

ولهذا لم تكن محاسبة النفس أمرًا أخلاقيًا هامشيًا، بل محاولة دائمة لإنقاذ الداخل قبل أن يتحول الانحراف الصغير إلى طبيعة مستقرة يصعب الخروج منها.

فالإنسان لا يبتعد عن الحقيقة فجأة، بل بمقدار كل لحظة يصالح فيها الباطل داخل نفسه ثم يعتاد وجوده.

الشوك الذي يزرعه الإنسان بيده

الذنوب لا تبدأ عذابًا، بل تبدأ اعتيادًا. ولهذا قد يعيش الإنسان سنوات وهو يظن أن ما يفعله يمر وينتهي، بينما هو في الحقيقة يزرع شيئًا سيعود إليه يومًا بصورة أخرى.

فاللسان الجارح، والظلم، والتكبر، وإيذاء الناس، والحسد، والتعلق المرضي بالنفس، ليست أفعالًا عابرة، بل بذور يضعها الإنسان في داخله، ثم يقضي عمره يسقيها وهو لا يشعر.

ولهذا شبّه أهل المعرفة بعض الأعمال بالشوك الذي يزرعه الإنسان بيده، ثم يضطجع عليه لاحقًا فلا يجد راحة مهما تقلب. أما الرحمة، وحسن الخلق، والصدق، والعفو، والإحسان، فهي أشبه بخيوط حرير ينسج بها الإنسان راحته قبل أن يصل إليها.

ومن هنا يقول القرآن الكريم عن المؤمنين الحقيقيين: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. فالإيمان لا يظهر فقط في الشعارات الكبرى، بل في الطريقة التي يصبح بها الإنسان أقل قسوة، وأكثر نقاءً، وأبعد عن إيذاء الآخرين.

التكاثر أم الكوثر؟

الشيطان لا يدخل دائمًا إلى الإنسان من باب المعصية الصريحة، بل أحيانًا من باب الانشغال الدائم بما يُشعره بالكثرة؛ كثرة المال، أو الصورة، أو النفوذ، أو المقارنات، أو الإعجاب بالنفس.

ولهذا يعيش كثير من الناس داخل التكاثر دون أن يشعروا؛ يركضون طوال أعمارهم خلف ما يظنون أنه سيمنحهم الامتلاء، بينما يزداد داخلهم فراغًا.

أما الكوثر فليس كثرة الأشياء، بل غنى داخلي يجعل الإنسان أقل تعلقًا بما يزول. ولهذا لا يصل إليه إلا من بدأ يتحرر من حاجته المستمرة لإثبات نفسه عبر ما يملكه أو ما يراه الناس فيه.

ومن هنا لا تكون العبادة الحقيقية أداءً ظاهريًا، بل انتقالًا من عقلية التكاثر إلى ذوق الكوثر؛ من الامتلاء بالضجيج إلى الامتلاء بالله.

التوحيد: حين لا يعود القلب موزعًا

حين ضُرب أمير المؤمنين علي عليه السلام أوصى الحسن والحسين عليهما السلام قائلًا: “أوصيكما أن لا تشركوا بالله شيئًا”.

ولم يكن الشرك دائمًا أن يعبد الإنسان صنمًا ظاهرًا، بل قد يبدأ حين يمنح قلبه لغير الله خوفًا أو تعلقًا أو اعتمادًا مطلقًا.

فالتوحيد الحقيقي ليس مجرد فكرة يقولها الإنسان، بل طريقة يرى بها العالم كله. أن يدرك أن الله ليس اسمًا حاضرًا في العبادة فقط، بل الحقيقة التي يقوم بها كل شيء.

ولهذا لا يعود الإنسان موزع القلب بين مخاوف متعددة وآلهة خفية وأوهام تتنازع داخله، بل يستقر على حقيقة واحدة تمنحه الطمأنينة وسط اضطراب العالم.

ومن هنا قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. لأن أخطر ما يفعله الشرك أنه يفتت الداخل، ويجعل الإنسان معلقًا بأشياء لا تملك في حقيقتها أن تنقذه أو تمنحه السلام.

الموت الذي لا يراه أولياء الله كما نراه

الخوف من الموت لا يأتي دائمًا من الموت نفسه، بل من طريقة فهم الإنسان للحياة.

فمن يرى الدنيا نهاية كل شيء، سيرى الموت انهيارًا كاملًا. أما من يرى أن الحياة أوسع من حدود هذا العالم، فلن يكون الموت عنده إلا عبورًا.

ولهذا قال أمير المؤمنين عليه السلام: “تالله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه”.

ولم يكن ذلك حبًا للفناء، بل لأن من ينكشف له شيء من الحقيقة لا يعود يرى الموت كما يراه المحبوس داخل ظاهر الدنيا.

وقد ورد عنه أيضًا في لحظاته الأخيرة أنه كان يرى الأنبياء وملائكة السماء كأنهم في استقباله. وكأن الإنسان حين يتحرر من خوف الدنيا يبدأ برؤية ما وراءها لا بوصفه غيبًا مرعبًا، بل وطنًا يعود إليه.

ولهذا لم يكن أولياء الله متعلقين بالحياة بالطريقة التي يتعلق بها غيرهم، لأن قلوبهم لم تكن محصورة فيما ينتهي بالموت.

الخلاصة:

ليست أخطر معارك الإنسان تلك التي يخوضها مع العالم من حوله، بل تلك التي يخوضها بصمت داخل نفسه.

فالإنسان قد ينجو من إغراءات كثيرة، لكنه يسقط أحيانًا في أخطرها دون أن ينتبه: أن يعتاد نفسه كما هي، وأن يتوقف عن محاسبتها، وأن يظن أن الانحراف لا يبدأ إلا من الكبائر الواضحة.

ولهذا لم تكن العبادة الحقيقية مجرد أعمال تؤدى، بل يقظة تمنع الداخل من أن يتحول تدريجيًا إلى أرض يتكاثر فيها الباطل بصمت.

الذنوب لا تقف عند ظاهر الإنسان، بل تعيد تشكيل روحه من الداخل، كما أن الطاعة ليست ثوابًا مؤجلًا، بل بناء خفي لإنسان أكثر صفاءً وحرية.

ومن هنا لا يبدأ التوحيد الحقيقي حين يردد الإنسان أن الله واحد فقط، بل حين يتوقف قلبه عن التعلق بما سواه، وحين لا يعود العالم قادرًا على تمزيقه بين خوف وطمع ووهم.

وربما لم يكن السؤال الأخطر: كم يعرف الإنسان عن الحقيقة؟ بل: كم تبقى في قلبه من قابلية لرؤيتها؟

وفي المقالة القادمة، لن يكون الحديث عن النفس التي تحجب الإنسان، بل عن اللحظة التي يتحول فيها القلب نفسه إلى ساحة صراع بين النور الذي يدعو إلى الله، والظلمة التي تبقيه أسيرًا لما اعتاده.

اللهم لا تتركنا لأنفسنا طرفة عين، ولا تجعل في قلوبنا ما يحجبنا عنك، وامنحنا بصيرةً نرى بها عيوبنا قبل أن تتجذر في أرواحنا، وامنحنا يقظةً لا نخدع بها بظاهر صلاحنا بينما تبتعد قلوبنا عنك بصمت.

المصادر:

القرآن الكريم: الهمزة (1)، غافر (19)، سبأ (49)، الفتح (29)، لقمان (13) كتاب: حكمة العبادات – الشيخ عبد الله الجوادي الآملي

نهج البلاغة

بحار الأنوار

الأمالي – الشيخ المفيد الخطبة الشعبانية – أربعين الشيخ البهائي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى