
أحمد الطويل
مقدمة:
ليست الأعياد في حقيقتها ما يلبسه الناس من جديد، ولا ما تمتلئ به البيوت من مظاهر الفرح، بل ما تتركه في الروح من معنى.
وعيد الأضحى ليس عيدًا عابرًا في ذاكرة المسلمين، بل موسمٌ تتقاطع فيه معاني الطاعة، والتضحية، والرجوع إلى الله.
إنه العيد الذي تختلط فيه تكبيرات الأرض بأصوات الحجيج، وتمتلئ فيه القلوب بشيءٍ من الشوق إلى مكة، وإلى المدينة، وإلى تلك المشاعر التي تهفو إليها الأرواح كل عام.
كنّا نأمل هذا العام أن نكون في المدينة المنورة، بجوار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، نعيش العيد هناك بين المسجد النبوي وعبق السيرة الأولى، قريبين من الحجيج الذين يفيضون من عرفات إلى مزدلفة ومنى.
لكنّ الله سبحانه قدّر أمرًا آخر، فبقينا هنا بين الأهل والأحباب، نجتمع حول مائدة العيد، ونتقاسم الدعاء والحنين والذكريات.
وربما أدرك الإنسان في مثل هذه اللحظات أن الله إذا أغلق بابًا فتح بابًا آخر من رحمته؛ فكما أن في السفر لذة، ففي اجتماع العائلة دفءٌ يعجز كثير من الناس عن وصفه، وكأن الله يعوّض القلوب المشتاقة بصورةٍ أخرى من الطمأنينة والقرب.
الحج… حين يهاجر الإنسان من نفسه
ليس الحج مجرد رحلةٍ من بلدٍ إلى بلد، ولا انتقالًا بين المشاعر والمناسك فقط، بل هو رحلةٌ داخل الإنسان نفسه.
فالله سبحانه لم يُرِد من الحاج أن يقطع المسافة إلى مكة فحسب، بل أن يقطع المسافة بينه وبين الله.
ولهذا يبدأ الحج بالإحرام؛ ذلك الثوب الأبيض الذي يشبه الكفن، وكأن الإنسان يخلع معه أسماءه، ومكانته، وصورته التي عاش طويلًا يدافع عنها أمام الناس.
في الحج، يعود الإنسان إلى حقيقته الأولى: عبدٌ ضعيف، لا يملك شيئًا إلا حاجته إلى الله.
ولهذا لم تكن أعمال الحج حركاتٍ فارغة، بل رسائل عميقة تختصر رحلة العمر كلها.
فالطواف حول الكعبة ليس دورانًا بالجسد فقط، بل إعلانٌ أن القلب يجب أن يكون له مركزٌ واحد لا يتعدد؛ أن يدور حول الله لا حول أهوائه.
والسعي بين الصفا والمروة ليس انتقالًا بين جبلين، بل صورة الإنسان وهو يركض في هذه الحياة بين الخوف والرجاء، حتى يكتشف أن النهاية كلها عند الله.
أما عرفات، فهي اللحظة التي يقف فيها الإنسان أمام نفسه بلا أقنعة.
هناك تسقط الضوضاء التي تراكمت داخله طوال السنوات، ويكتشف كم كان بعيدًا عن ذاته، وكم كان محتاجًا إلى لحظة صدقٍ واحدة مع الله.
بين الحرمان والرضا
هذا العام، لم نكن في مكة، ولم نكن أيضًا في المدينة كما تمنّينا.
لم نُصلِّ العيد في رحاب المسجد النبوي، ولم نسلّم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قرب.
لكن الإنسان يتعلّم مع الله درسًا عجيبًا: أن الرضا بابٌ آخر من أبواب القرب.
فقد يُحرم الإنسان من مكانٍ يحبّه، لكنه لا يُحرم من رحمة الله إذا بقي قلبه متصلًا به.
ولعلّ أجمل ما في هذا العيد أننا عشنا دفء الاجتماع العائلي بكل تفاصيله؛ اجتمع الإخوة والأخوات، وتعانقت القلوب قبل الأيدي، وشعر الإنسان أن بعض النِّعم لا تُدرك إلا حين يعيشها بهدوء.
وأحيانًا، يكون اجتماع الأحبة تعويضًا إلهيًا لا يقلّ جمالًا عن السفر نفسه.
فالله لا يأخذ شيئًا من عبده إلا ويضع في قلبه بابًا آخر من السكينة إن أحسن الظن به.
عيد الأضحى ومشروع التضحية الكبرى
عيد الأضحى ليس مجرد ذكرى لذبح الأضاحي، بل تذكيرٌ بالسؤال الأصعب في حياة الإنسان: ما الشيء الذي ينافس الله في قلبك؟
حين رفع إبراهيم عليه السلام السكين، لم يكن الامتحان في الذبح فقط، بل في الاستعداد لأن يقدّم لله أغلى ما يحب.
ولهذا صار إبراهيم إمامًا؛ لأن الطريق إلى الله لا يُبنى بالكلام، بل بالامتحان والصبر والتسليم.
ومن هنا يبقى العيد الحقيقي ليس لمن لبس الجديد، بل لمن خرج من العيد بقلبٍ جديد.
فقد يذبح الإنسان أضحيته، لكنه لا يذبح كِبره، ولا أنانيته، ولا تعلّقه بالدنيا، فيعود كما كان.
أما العيد الحقيقي، فهو أن يعود الإنسان أخفّ روحًا، وأقرب إلى الله، وأصدق مع نفسه.
الخلاصة:
في النهاية، يكتشف الإنسان أن العيد ليس يومًا يمرّ في التقويم، بل لحظةٌ يُختبر فيها القلب: ماذا بقي فيه لله بعد كل هذه المواسم؟
قد يصل الإنسان إلى مكة والمدينة، ويطوف ويسعى ويرمي، ثم يعود كما ذهب، لأن الرحلة كانت في الجسد لا في الروح. وقد يُحرم آخر من السفر، لكنه يعود إلى الله من داخل قلبه، فيكون أقرب إلى القبول من آلاف المسافات.
هذا العام، لم نكن بين الحجيج كما تمنّينا، لكن الله جمعنا بالأهل والأحباب، وكأنّه يعلّمنا أن رحمته لا تأتي دائمًا بالصورة التي نختارها نحن، بل بالصورة التي يحتاجها القلب فعلًا.
ولعلّ أخطر ما في مواسم الطاعة ليس أن تفوت الإنسان مكة أو المدينة، بل أن تمرّ به كل هذه الأيام العظيمة، ثم يبقى كما هو، بنفس القسوة، ونفس الغفلة، ونفس البعد عن الله.
فالعيد الحقيقي ليس لمن لبس الجديد، ولا لمن ذبح الأضحية فقط، بل لمن ذبح داخله شيئًا كان يبعده عن الله… ثم عاد بقلبٍ جديد.
اللهم اجعل هذا العيد بداية رجوعٍ حقيقي إليك، ولا تجعل مواسمك تمرّ علينا مرور العابرين، وامنح قلوبنا من القرب والرضا ما يجعلنا نراك في كل ما اخترته لنا، حتى فيما لم يتحقق كما تمنّينا.



