
السيد فاضل آل درويش
ورد عن الإمام الحسين (ع) في دعاء عرفة: أَنَا الَّذِي أَسَأْتُ، أَنَا الَّذِي أَخْطَأْتُ).
ما أعظم هذه التربية والتوجيه الحسيني نحو أهم هدف حياتي يحققه الإنسان في طريق التألّق والتكامل، وهو معرفة حقيقة النفس وتلك العوامل المؤثّرة في سيرها وتقويم عطائها وما يصدر منها، فهناك نقاط قوة يكتسبها الفرد ويعمل على تعزيزها كالهمة العالية والإرادة الصلبة، ويقابلها نقاط الضعف وعوامل الهدم كالأهواء والشهوات والتزيين الشيطاني، وأمام مرآة النفس ينكشف حقيقة مهمة وهي ضعف الإنسان وما ينتج عنه من ارتكاب الخطايا والتقصير على مستوى علاقته بالله تعالى أو على مستوى سلوكياته وعلاقاته، ولا يمكن إدراك عظمة هذه التحفة والمقطع الدعائي إلا من خلال ملاحظة الحركة الإنسانية وتيه النفس في دروب الضياع والاعتداد بالنفس وانتفاخ الذات، فذلك الإنسان المغرور أو الأناني ما تملّكته تلك الآفة الأخلاقية إلا بعد جهل بحقيقة نفسه وافتقاره إلى التدبير و التوفيق والتسهيل الإلهي.
ودعاء عرفة يمثّل مدرسة كاملة من المعارف الخاصة بكشف خفايا ودواخل النفس البشرية وكيفية إدارتها في طريق التكامل واكتساب الفضائل وغلتخلّي عن النقائص والمعايب، وهذا الطريق نحو صناعة وصياغة الشخصية الإنسانية يرسم الإمام الحسين (ع) معالمها وأُطُرها من خلال نهج العبودية الخالصة لله تعالى، فمحراب الطاعة ليس بطقوس تُؤدّى دون مضامين بل هي تحفة في صناعة الشخصية المتألّقة والمتّصفة بالمعرفة والبصيرة والنظرة المتأنية، وعلى مستوى السلوك العملي فإنه بعد معرفة نفسه وحقيقة دوره الوظيفي في الحياة الدنيا استنقذته تلك المعرفة من التيه والضياع والارتماء في أحضان الغرور والتكبّر.
إن دعاء عرفة يُمثّل قمّة النضج الروحي حيث تتجلّى حقيقة العبودية بأبهى صورها، وقد تسلّح بالمعرفة الحقة بضعف النفس البشرية وافتقارها إلى التدبير الإلهي في كل شؤونها، فيقف بين يدي الله تعالى – كما يصوّره دعاء عرفة – وقد حمل قلبًا منكسرًا، وندامة لحقته بعد استيعاب فداحة ما ارتكبه من خطايا وآثام وأوجه تقصير، نعم هذه حقيقة الاعتراف الذي يقود الإنسان نحو التغيير الإيجابي وإصلاح ما انكسر في علاقته بخالقه، اعتراف يحرّكه نحو الندامة على إساءته والعزم على تركها مستقبلًا، فالإنسان حين يقف بين يدي الله تعالى يحمل معه روحا معترفة بعجزها وتقصيرها وأسفها على الانسياق خلف تزيين الشهوة.
وفي تصوير بلاغي جميل يحمل التكرار بكلمة (أنا الذي) دلالة تربوية وأخلاقية عميقة، تبعد الفرد عن الطريق الخاطيء الممتليء بالأعذار الوهمية واستصغار المعصية، بما يلقي عن كاهله تحمل مسؤولية ما صدر منه من تسلسل أخطاء تقوده نحو هاوية الغضب الإلهي، فتكرار الإمام (ع) لعبارة (أنا الذي) يحمّل الإنسان مسؤولية أفعاله و يمنعه من التهرّب من أخطائه أو تعليقها على الآخرين، فالقرآن الكريم يربّي الإنسان على محاسبة النفس والإمام الحسين (ع) يجسّد هذا المنهج عمليًّا في دعائه، إذ يجعل من الخطايا والتقصير فرصة لتحفيز النفس نحو الاعتراف و التصحيح والانطلاق مجددًا بعد التحلّي بهذه التربية العميقة.



