
أمير بوخمسين
لم يكن التقديس ظاهرة مرتبطة بدينٍ معين أو أمةٍ دون أخرى، بل هو سلوك إنساني عالمي، نجده في مختلف المجتمعات والأديان والثقافات. فالإنسان بطبيعته يميل إلى تعظيم ما يراه مصدرًا للقوة أو الهداية أو الخلاص أو النفوذ أوالقدوة، ولكن المشكلة ليست في وجود التقديس نفسه، وإنما من الجهة التي يُمنح لها، ومن الحدود التي يتجاوزها.
إن غاية التعظيم وكماله لا يكون إلا لله وحده لا شريك له، ورد في سورة الحشر (الآية 23): ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. أما البشر، مهما علَت مكانتهم، فإنهم لا يُعظَّمون إلا بقدر ما جعل الله لهم من قدر، وبالطريقة التي شرعها سبحانه، لأن الإنسان يظل بشرًا يُخطئ ويصيب، ويضعف ويقوى، ولا يجوز أن يتحول إلى كائن فوق النقد أو المساءلة.
وليس خافيًا أن المجتمعات كثيرًا ما تصنع أصنامها الخاصة، وإن اختلفت أشكالها. فبعض الناس يقدّسون القبيلة أو الحزب أو الفكرة أو حتى الشخصيات الدينية والثقافية والفكرية والفنية.
وفي كل هذه الصور يحدث تعطيل للعقل، ويتم ترسيخ التقديس الأعمى، وهو رفع الأشخاص والأفكار والجماعات إلى مستوى لا يُسمح معه بالنقد أو المراجعة، أو التعامل معها بوصفها لا تخطئ. هذا النمط يترك آثارًا سلبية واسعة على المجتمع، من أبرزها.. كبح التفكير والنقد، حيث يقّل السؤال والبحث والتحقق من المعلومات، وتتحول الاختلافات إلى “خطيئة” أو “عداء” بدل أن تكون نقاشًا طبيعيًا. كما يتفشى التضليل وسهولة التلاعب بالمجتمع باعتبار أن “المقدَّس” لا يُراجع، ويصبح من السهل تمريره لروايات خاطئة، وبالتالي استغلال البعض مكانته لتوجيه الناس سياسيًا واجتماعيًا ودينيًا بما يخدم مصالحهم. وهنا عندما تُمنع المراجعة تتراكم الأخطاء، وتتدهور جودة القرار الجماعي وبالتالي تتأخر الحلول وتُتخذ قرارات عاطفية بدل أن تكون مبنية على أدلة وتقييم واقعي. ومن الأثار كذلك الاستقطاب والكراهية عبر تحويل حالة المجتمع إلى الخصومة ونزع إنسانيتهم مما يؤدي إلى التوتر والصدام، وفي هذه الحالة فإن تعطيل مبدأ المساءلة والمحاسبة يساعد على انتشار الفساد واستخدام السلطة دون خوف من العواقب. وبالتالي الإضرار بالفرد نفسيًا واجتماعيًا، وخنق الإبداع والتقدم المعرفي، وتبرير العنف وتقييد الحقوق.
إن الإنسان حين يقدس أحدًا بصورة مطلقة يتوقف عن التفكير النقدي، ويبدأ في تبرير الأخطاء بدل أن يواجهها، ومن أخطر آثار التقديس الخاطئ على المجتمع أنه يصنع بيئة مناسبة للاستبداد والتغييب.
وهكذا تُدار المجتمعات بالعاطفة والهيبة، وليس بالوعي والحقيقة. كما أن التقديس الأعمى يخلق طبقات فوق المجتمع، وللتقديس مظاهر كثيرة قد تبدو عادية لكنها تحمل خللاً عميقًا، كرفض نقد الشخصيات العامة مهما أخطأت، أو اعتبار مخالفة بعض الرموز خروجًا عن الجماعة، أو ربط الحقيقة بأسماء الأشخاص لا بالأدلة، أو تربية الأجيال على الطاعة دون الفهم، نحن هنا لا نطالب بإسقاط قيمة الاحترام، المطلوب هو إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، وتعظيم الله وحده التعظيم المطلق، واحترام البشر دون رفعهم فوق مرتبتهم الإنسانية.
والمطلوب أيضًا بناء ثقافة تُعلي من قيمة السؤال والوعي والتفكير، وتُربّي الناس على أن الحقيقة أكبر من الأشخاص، وأن الولاء يجب أن يكون للمبدأ لا للأفراد.
لأنه حين تتحول الشخصيات والأفكار إلى مقدسات لا تُمس، فإن أول ما يُدفن هناك هو العقل، وأول ما يضيع هو الإنسان نفسه.



