أقلام

سطوة الأصوات … أم هيبة الإنصات

حسين الحاجي

بفضل رب العالمين يزخر مجتمعنا بقامات دينية وعلمية وأدبية واجتماعية مرموقة إلى جانب الوجهاء والأعيان وأصحاب الخبرات والتجارب الثرية وعندما تحضر هذه الشخصيات إلى المجالس والديوانيات يحرص كثيرون على الاقتراب منها والاستفادة من علمها وخبرتها ورؤيتها وهذا أمر طبيعي ومحمود لأن المجالس كانت دائماً مساحة للتعلم وتبادل المعرفة وبناء العلاقات الإنسانية الراقية .

غير أن مشهداً يتكرر أحياناً بصورة غير محببة حين ينبري شخص أو أكثر للإستحواذ على مجرى الحوار بالكامل فيتحدثون طويلاً وينتقلون من موضوع إلى آخر حتى يصبح المجلس كله مساحة تدور حولهم وحدهم بينما يجلس الآخرون في دائرة من الصمت وكأن دورهم يقتصر على الاستماع فقط .

هذه الممارسة لا تضيف قيمة للمجلس بقدر ما تسحب منه حيويته وتفقده تنوعه فكم من فكرة جميلة لم تُسمع ، وكم من تجربة نافعة بقيت حبيسة الصمت لأن الفرصة لم تتح لأصحابها .

المشكلة هنا لا تتعلق بقوة الشخصية ولا بسعة المعرفة بل بعدم مراعاة الذوق الذي يحفظ لكل شخص حقه في التعبير ، لا شك أن صاحب المجلس يتحمل جزءاً من المسؤولية فهو الأقدر على كسر هذا الجمود وتحريك المياه الراكدة وتشجيع الحضور على المشاركة وطرح الأسئلة وإبداء الآراء .

الشخص الواعي لا يُقاس بكثرة كلامه بل بحسن حضوره والهيبة الحقيقية لا تصنعها إطالة الحديث بل يصنعها احترام الناس والقدرة على الإنصات ومنح الآخرين مساحة يشعرون فيها بقيمتهم فالاستماع أدب كما أن الحديث فن ولا يكتمل أحدهما إلا بالآخر .

نؤكد مجدداً : من مصاديق النضج الاجتماعي أن يدرك الشخص أن حسن الحديث لا يعني السيطرة على الحوار بل يعني أن يعرف متى يتحدث ومتى يكتفي ومتى يفسح المجال لغيره فالمجالس الجميلة لا يصنعها أكثر الأشخاص كلاماً بل أكثرهم ذوقاً واحتراماً وإحساساً بمن حوله لأنها حين تتسع للجميع تزدهر وترسخ آثارها الجميلة في الذاكرة .

ختاماً : حين يجد الشخص فرصة للكلام يشعر بأن وجوده مقدر وأن رأيه محل اهتمام أما عندما يظل صامتاً طوال الجلسة فإنه يغادر وفي نفسه شيء من الفتور وربما لا يعود إلى المجلس بالحماس ذاته مرة أخرى لذلك فإن توزيع فرص الحديث بعدل يرفع جودة النقاش ويكشف خبرات متنوعة ويقرب القلوب ويصنع جواً أكثر مودة وانسجاماً وليس أجمل من مجلس يسمع فيه الكبير والصغير وصاحب الخبرة والمبتدئ لأن الإستفادة والحكمة قد تأتي من كلمة عابرة أو تجربة بسيطة تغير فهماً أو تزيد قناعةً .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى