
عماد آل عبيدان
في عالم الإدارة توجد طريقتان للنظر إلى النجاح.
الأولى أن يُنظر إليه بوصفه محطة وصول.
والثانية أن يُنظر إليه بوصفه نقطة انطلاق.
وبينهما فرق كبير.
فكثير من المؤسسات تفرح وتبتهج عند تحقيقها نتائج جيدة ثم تنشغل بحساب ما تحقق.. بينما المؤسسات الأكثر نضجًا تسأل سؤالًا مختلفًا..
وماذا بعد؟
هذا السؤال هو الذي يصنع الفارق بين من يحافظ على مستواه ومن يتجاوزه.
وقد خطر ببالي هذا المعنى وأنا أقرأ خبر اكتمال مشروع التأهيل والتطوير الشامل لمجمع جمعية مضر الطبي بالقديح.
فالخبر في ظاهره يتحدث عن تطوير قسم الاستقبال والدور الأول وعن رفع مستوى الخدمات وعن بيئة أكثر راحة للمرتادين.
لكن خلف ذلك توجد فكرة أعمق تستحق التأمل.
فالجمعية لم تموّل المشروع من حملة طارئة ولم تنتظر جهة خارجية تتكفل بالتطوير لكنها خصصت قرابة ثلث أرباح المجمع الطبي للعام الماضي لإعادة تأهيل المجمع نفسه.
وهنا تكمن الحكاية الحقيقية.
فالربح لم يغادر المكان…وعاد إليه.
عاد على هيئة تطوير..
وعاد على هيئة تحسين..
وعاد على هيئة خدمة أفضل للمراجع والمريض والزائر.
إنها فلسفة مختلفة في التفكير.
فبدل أن يُنظر إلى الأرباح باعتبارها نهاية دورة العمل جرى التعامل معها باعتبارها بداية دورة جديدة.
نجاح يولّد تطويرًا وتطوير يولّد جودة وجودة تولّد ثقة وثقة تفتح أبواب نجاح جديد وهكذا تستمر الدائرة في الصعود.
والخبر بجماله لم يتوقف عند الجدران والمرافق والتجهيزات فالتطوير الحقيقي لا يسكن الجدران وحدها ولا تصنعه التجهيزات بمفردها.
ولهذا جاء الحديث عن التدريب المستمر للكوادر الطبية والإدارية متوازيًا مع التطوير الإنشائي لأن المؤسسة الواعية تدرك أن أجمل المباني يمكن أن تفقد قيمتها إذا لم يُواكبها إنسان مؤهل.
وفي المقابل قد يصنع الإنسان المتميز فرقًا حتى في أبسط الإمكانات.. وباجتماعهما معًا تصبح النتيجة مختلفة.
ومن الزوايا التي تستحق الإشادة أيضًا تلك اللفتة الجميلة التي شهدها حفل التدشين حين شارك عدد من الموظفين القدامى في قص شريط الافتتاح.
قد يراها البعض تفصيلًا بسيطًا، لكنها في حقيقتها رسالة عميقة فالمؤسسات لا تُبنى بالمشاريع وحدها لكنها تُبنى بالناس الذين حملوا تلك المشاريع يومًا بعد يوم وعامًا بعد عام والاعتراف بالجهد جزء من صناعة النجاح نفسه.
كما أن الإشارة إلى نجاح تجربة إسناد الروضة للقطاع الخاص تفتح بابًا مهمًا لفهم طريقة التفكير الحالية.
فالمعيار لم يعد أن تدير المؤسسة كل شيء بنفسها وإنما أن تبحث عن النموذج الأكثر كفاءة وقدرة على تحقيق النتائج.. ولهذا يكون التغيير أحيانًا خطوة إلى الأمام لا تراجعًا.
إن المتأمل في هذه التفاصيل كلها يكتشف أن القضية هي بناء ثقافة مؤسسية كاملة وليست مجرد تطوير لمجمع طبي.
ثقافة ترى أن النجاح لا يُستهلك ولا يُحتفل به ثم يُنسى ولا يُوضع في التقارير السنوية وينتهي وإنما يُعاد ضخه في شرايين المؤسسة ليصنع نجاحًا جديدًا.
وهنا تحديدًا تظهر قيمة الفكرة.. فأجمل الأرباح ليست تلك التي تخرج من الحسابات لكنها تلك التي تعود إلى أصحابها الحقيقيين.
تعود إلى المريض في صورة خدمة أفضل.
وتعود إلى المراجع في صورة تجربة أرقى.
وتعود إلى المجتمع في صورة مؤسسة تتطور عامًا بعد عام بجهود القائمين المخلصين عليها.
وعندما يحدث ذلك يصبح النجاح أكثر من رقم ويصبح التطوير أكثر من مشروع وتصبح المؤسسة قادرة على أن تنمو من داخلها…
لا أن تنتظر من يدفعها من الخارج.




