
أمير بوخمسين
أما تزال الآلة تخدم الإنسان، أم أن الإنسان بدأ يخدم الآلة؟
كانت في الأزمنة الماضية، العلاقة بين الإنسان والآلة واضحة وبسيطة. كان الإنسان هو السيد، وكانت الآلة مجرد أداة. يصنع المحراث ليزرع الأرض، ويصنع السيارة ليختصر المسافات، ويصنع الحاسوب ليساعده على الحساب والتخزين.
كانت الحدود واضحة بين العقل الذي يفكر، والأداة التي تنفذ. ولكن المشهد تغير الآن.
لم تعد الآلة مجرد ذراع إضافية للإنسان، بل أصبحت تتسلل شيئًا فشيئًا إلى المنطقة الأكثر حساسية فيه إلى عقله.
أثارني عبارة (عبثية الآلة بوعي الإنسان)، من مقال كتبه مختار موسى بوخمسين بعنوان (أسبقية الاسم والجوهر في عالم الذكاء الأثيري). فارتأيت أن أكتب عنها وتوضيح آثار هذه العبثية على عقولنا. الفكرة تقول إنّ الآلة (أو النظام الميكانيكي/الروتيني/الخوارزمي) قد تُعطِّل تجربة الإنسان للمعنى، وتحوّله من ذات واعية إلى “وحدة” ضمن مسار مُحدَّد سلفًا. أما كيف “تعبث” الآلة بوعي الإنسان فيتم من خلال عدة عوامل.. ُتسطّح الإحساس، فعندما تُعامل قرارات الإنسان كمدخلات/مخرجات، يقلّ أثر الخبرة الذاتية (الخوف، الرغبة، القلق، الشغف…). وتستبدل المعنى بالوظيفة.. بدل “لماذا أفعل؟” يصبح “ماذا أُنْجِز؟”. ويتحوّل الزمن إلى مواعيد. أما الإيقاع الإنساني (المدّ والجزر) يُستبدل بإيقاع الآلة (تزامن، انتظار، أوامر). وبالتالي تُضعف الوكالة، حيث يشعر الإنسان أنه “منقاد” بقرارات لا يملك حق تفسيرها أو الاعتراض عليها.
أما ما الذي يحدث في الوعي تحديدًا؟ يتعوّد الدماغ على النمط المتكرر، ويبدأ الإنسان بمواءمة نفسه مع منطق النظام بأن ينشأ شعور خافت بعدم القدرة أو الرغبة في التغيير، ويصبح التفكير أقل إبداعًا وأكثر “بحثًا عن طريقة تنفيذ”. أما العبث الوجودي فتأثير الآلة بأن يصبح السؤال عن المعنى مؤلمًا، واغتراب الإنسان بأن تختزل الحياة إلى إجراءات مادية ينفصل فيها الإنسان عن ذاته.
اليوم، تستيقظ ملايين العقول على ما تقترحه الخوارزميات، وتنام على ما تسمح به الشاشات. لم يعد الإنسان يختار دائمًا ما يقرأ، بل تقرر الآلة ما يستحق أن يقرأه. ولم يعد يحدد بنفسه ما يشاهد، بل أصبح يشاهد ما تقرر الخوارزميات أنه سيبقيه أطول وقت ممكن أمام الشاشة.
وهنا تبدأ المفارقة الكبرى. فالإنسان الذي صنع الآلة لتوفر له الوقت، وجد نفسه يمنحها عمره كله. والذي ابتكرها لتزيد حريته، أصبح في أحيان كثيرة أسيرًا لها. الذي أرادها وسيلة للمعرفة، وجدها أحيانًا مصدرًا للتشويش والاستنزاف الذهني. فالعقل البشري لم يعد يتلقى المعرفة كما كان يفعل من قبل. لقد أصبح محاصراً بسيل لا ينقطع من المعلومات والصور والآراء والمقاطع القصيرة.
ومع ذلك، فإن الخطأ ليس خطأ الآلة. فالآلة لا تملك إرادة مستقلة، ولا تضع أهدافها بنفسها. إنها تنفذ ما صممت لأجله. المسؤول الحقيقي في ذلك هو الإنسان، الإنسان الذي اخترعها، وبرمجها، وسمح لها بالدخول إلى تفاصيل حياته اليومية.
كثيرا ما نسأل هل يمكن أن تحل الآلة محل العقل البشري؟
قد تتفوق الآلة في الحساب، والتحليل، والذاكرة، ومعالجة البيانات، وربما في بعض أشكال الإبداع أيضاً. لكنها لا تزال عاجزة عن امتلاك التجربة الإنسانية نفسها. لا تعرف معنى الحب، ولا الخوف، ولا الفقد، ولا الأمل.
الآلة تستطيع أن تحاكي العقل، ولكنها لا تزال بعيدة عن أن تحاكي الإنسان.
وهنا السؤال هل العبثيّة تعني السقوط دائمًا؟ ليس بالضرورة، فيمكن للإنسان أن يستعيد المعنى عبر استخدام الآلة كأداة لا كبديل عن الذات، ويضع “حدودًا” للتفويض.. ما الذي أقرره أنا؟ وما الذي تقترحه الآلة؟، ويحوّل التكرار إلى مشروع شخصي (إبداع، تعلم، مقاومة، كتابة…الخ).
ولهذا فإن مستقبل البشرية لن يتحدد بمدى ذكاء الآلات، ولكن بمدى حكمة البشر في استخدامها. فكل اختراع عظيم في التاريخ كان يحمل إمكانية البناء وإمكانية الهدم معًا.
فالخطر ليس أن تصبح الآلة أذكى من الإنسان، ولكن الخطر الحقيقي أن يتوقف الإنسان عن استخدام عقله.




