أقلام

الفجوة بين (ما أقصده أنا) و (ما تفهمه أنت)

حسين الحاجي

بين القصد والفهم تبدأ معظم الخلافات ، فكم علاقة جميلة أفسدها سوء فهم ، فليست المشكلة دائماً فيما نقول ، بل فيما يفهمه الآخر بعد أن تغادر الكلمات أفواهنا ، ومن هنا تنشأ الفجوة بين ما أقصده أنا وما تفهمه أنت ، وهي المسافة الخفية التي تصنع كثيراً من الخلافات اليومية .

نحن لا نستقبل الكلمات ، بمعزل عن تجاربنا ، ومشاعرنا ، وتوقعاتنا ، وذكرياتنا ، ولذلك قد تُقرأ الرسالة الواحدة بتفسيرات مختلفة ، فقد يكتب أحدنا عبارةً قصيرةً في واتساب يقصد بها الاختصار ، فيراها غيره بروداً ، وقد يكون التأخر في الرد بسبب اجتماع أو أثناء القيادة ، فيحسبه الطرف الآخر تجاهلاً ، وقد تتحول مزحة بريئة إلى إساءة لأن الابتسامة لم تكن حاضرة .

التواصل الحقيقي لا يُقاس بما نقصد قوله ، بل بما فهمه الطرف الآخر ، فالمتلقي يشارك في صناعة المعنى بقدر ما يسهم المرسل في صياغة العبارة ، ولهذا فإن السؤال الهادئ قد ينقذ علاقة ، بينما التفسير المتسرع قد يهدم سنوات من الثقة .

في البيت ، قد تقول الأم لابنها : انتبه ، فتُفهم الكلمة توبيخاً ، بينما كانت تعني الحرص ، وفي العمل ، يكتب المدير : أراك غداً ، فيقضي الموظف ليلته قلقاً ، مع أن الرسالة تحمل خبراً ساراً ، وبين الأصدقاء ، قد يصنع تأخر دقائق قصة كاملة لا وجود لها إلا في الخيال .

الحل ليس في أن نتحدث أكثر ، بل في أن نتواصل بصورة أفضل ، فنختار كلمات واضحة ، ونتجنب العبارات الملتبسة ، ونقرأ الرسالة بعين من سيتلقاها ، لا بعين من كتبها ، وإذا وصلتنا رسالة تحتمل أكثر من معنى ، علينا أن نمنح صاحبها فرصة للتوضيح قبل إصدار الحكم ، فليس كل صمت إهمالاً ، ولا كل اختصار جفاءً ، ولا كل ملاحظة انتقاداً .

إن أجمل العلاقات ليست التي تخلو من سوء الفهم ، بل التي تعرف كيف تعالجه بسرعة ، وتحول الحوار إلى جسر يعيد القلوب إلى صفائها ، فالثقة تنمو مع الوضوح ، والاحترام يزدهر مع حسن الظن ، والمودة تقوى عندما يتقدم السؤال على الاتهام .

ولذلك يحتاج كل واحد منا إلى عادة بسيطة لكنها عظيمة الأثر : لا تفترض ، بل استوضح ، ولا تبادر بالتأويل ، بل اطلب البيان ، فالدقيقة التي نقضيها في الفهم ، أوفر من ساعات نقضيها في إصلاح ما أفسدته الظنون وحفظ الود بين القلوب .

ختاماً ، لنتذكر أن نجاح رسائلنا لا يبدأ عندما نكتبها ، بل عندما يفهمها الآخر كما أردناها ، فكل خطوة تقلص الفجوة بين القصد والفهم ، تعزز روابط المودة ، وتحمي العلاقات من خسائر كان يمكن تفاديها بسؤال واحد : ماذا كنت تقصد ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds