أقلام

الحسين الذي لا يغيب (5) البصيرة في زمن الفتن

أحمد الطويل

تنويه:

هذه المقالة هي الخامسة من سلسلة “الحسين الذي لا يغيب”، ننتقل فيها من أثر نهضة الإمام الحسين عليه السلام في بناء الإنسان، إلى أثرها في صناعة البصيرة؛ لنقف عند حاجة المؤمن إلى ميزانٍ يهديه في زمن تتكاثر فيه الفتن، وتختلط فيه المفاهيم، وتتعدد فيه الأصوات والدعوات.

مقدمة:

إذا كان الولاء للإمام الحسين عليه السلام لا يكتمل إلا حين ينعكس في أخلاق الإنسان وسلوكه، فإن هذا الولاء يحتاج قبل ذلك إلى بصيرةٍ تحفظه من الانحراف، وتعينه على تمييز الحق من الباطل.

فكم من إنسانٍ أراد الخير، ولكنه أخطأ الطريق، وكم من شعاراتٍ رفعت اسم الحق، بينما كانت تخدم غيره.

وليس زمن الفتن أمرًا استثنائيًا في تاريخ البشرية، بل هو سنةٌ تتكرر كلما اختلطت الحقائق، واشتبهت المواقف، وأصبح الباطل أكثر قدرةً على التزيّن بشعارات الحق. وفي مثل هذه الأزمنة لا يكفي صدق النية وحده، بل يحتاج الإنسان إلى نورٍ يهديه، وبصيرةٍ تكشف له حقيقة الطريق.

ومن هنا تتجلى قيمة نهضة الإمام الحسين عليه السلام؛ فهي لم تكن موقفًا عابرًا في مواجهة خصم فحسب، بل أصبحت ميزانًا دائمًا يعلّم الإنسان كيف يقرأ الأحداث، وكيف يزن المواقف، وكيف لا ينخدع بالمظاهر إذا خالفت جوهر الحق.

ولهذا بقي الإمام الحسين عليه السلام حاضرًا في كل عصر؛ لأن رسالته لا تعطي الإنسان جوابًا عن أحداث الماضي فقط، بل تمنحه منهجًا يهتدي به كلما التبس عليه الطريق، أو كثرت أمامه الدعوات، أو أصبح الثبات على الحق أكثر صعوبة.

ومن هنا يبرز السؤال الذي يحتاجه كل مؤمن في زمانه: كيف نبني البصيرة التي تحفظنا من الفتن؟ وكيف يجعلنا الاقتداء بالإمام الحسين عليه السلام أقدر على معرفة الحق والثبات عليه، مهما تغيرت الوجوه والعناوين؟

وهذه وقفةٌ مع الحسين حين يصبح البصيرة في زمن الفتن.

الفتنة تبدأ حين يلتبس الحق

قد يتصور بعض الناس أن الفتنة تعني كثرة الاضطرابات أو انتشار الظلم فحسب، ولكن أخطر ما في الفتنة ليس وجود الباطل، وإنما قدرته على التشبه بالحق. فالحق الواضح لا يوقع كثيرًا من الناس في الحيرة، أما حين تُرفع الشعارات نفسها، وتُستعمل الكلمات ذاتها، ويختلط الصادق بالمدّعي، عندها يبدأ الامتحان الحقيقي.

ولهذا لم تكن كربلاء مواجهةً بين فريقٍ يعرف الحق وفريقٍ يجهله، بل كانت مواجهةً بين من امتلك البصيرة فرأى الحقيقة كما هي، ومن غلبته الأهواء أو المصالح أو الدعاية حتى عجز عن تمييزها. فكم من إنسانٍ كان يعلم منزلة الإمام الحسين عليه السلام، ولكنه لم يمتلك الشجاعة أو البصيرة التي تقوده إلى الوقوف معه.

إن الفتنة لا تغيّر الحق، ولكنها قد تغيّر نظرة الناس إليه. فقد يُصبح الباطل مقبولًا إذا أُحسن تزيينه، وقد يُتهم أهل الحق إذا كثرت الشبهات حولهم. ومن هنا كان أخطر ما يواجه الإنسان ليس ضعف الأدلة، بل كثرة الالتباس.

ولهذا أكّد القرآن الكريم أن طريق الدعوة إلى الله لا يقوم على الحماسة المجردة، وإنما على البصيرة، فقال تعالى: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾. فالبصيرة ليست أمرًا زائدًا على الإيمان، بل هي من مقوماته؛ لأن حسن النية وحده لا يكفي إذا غابت الرؤية الصحيحة، فقد يريد الإنسان الخير، لكنه يخطئ الطريق حين يلتبس عليه الحق بالباطل.

ومن هنا أصبحت كربلاء مدرسةً في البصيرة قبل أن تكون مدرسةً في التضحية. فقد كشفت أن معرفة الأشخاص لا تكفي، ومعرفة الشعارات لا تكفي، بل لا بد من معرفة المبادئ التي تُقاس بها المواقف. ولهذا لم يكن الإمام الحسين عليه السلام يدعو الناس إلى نصرته لأنه ابن رسول الله صلى الله عليه وآله فحسب، بل لأنه كان يدعوهم إلى نصرة الحق الذي يمثله.

إن أول ما يتعلمه الإنسان من كربلاء أن يسأل دائمًا: ما هو الحق؟ قبل أن يسأل: من الأكثر قوة؟ أو من الأكثر عددًا؟ فالبصيرة تبدأ حين يصبح الميزان هو الحق نفسه، لا الأشخاص، ولا المصالح، ولا الضجيج الذي يحيط بالأحداث.

ولهذا فإن الفتنة لا تُهزم بكثرة الكلام، وإنما تُهزم بوضوح الرؤية. ومن امتلك هذه الرؤية استطاع أن يبقى ثابتًا، ولو اضطرب من حوله كل شيء.

فالبصيرة ليست أن ترى الطريق فحسب، بل أن لا تنخدع بالطريق الذي يشبهه.

البصيرة تُبنى قبل زمن الفتنة

قد يظن الإنسان أن البصيرة تُولد في لحظة الامتحان، لكن الحقيقة أن الفتن لا تصنع البصائر، وإنما تكشفها. فما يظهر عند الشدائد إنما هو ثمرة ما بناه الإنسان في نفسه قبلها من إيمانٍ، وعلمٍ، وتقوى، وصدقٍ مع الله.

ولهذا فإن أصحاب الإمام الحسين عليه السلام لم يصبحوا أصحاب بصيرة في يوم عاشوراء، بل كانوا كذلك قبل أن يصلوا إلى كربلاء. فقد ربّتهم المعرفة بالله، واليقين برسوله، والولاء الصادق لأهل البيت عليهم السلام، حتى إذا جاء الامتحان لم يترددوا، لأن قلوبهم كانت قد حسمت موقفها قبل أن تحسمه سيوف المعركة.

ومن هنا نفهم أن البصيرة ليست موهبةً تُمنح للإنسان من غير سعي، وإنما ثمرةُ تربيةٍ طويلة. فكلما ازداد الإنسان قربًا من الله، وحرصًا على معرفة الحق، ومجاهدةً لهواه، أصبح أقدر على رؤية الأمور على حقيقتها، وأبعد عن الوقوع في الشبهات.

وقد دعا القرآن الكريم إلى هذا الاعتبار، فقال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾.

فصاحب البصيرة لا يكتفي بالنظر إلى الأحداث، بل يتأمل ما وراءها، ويستفيد من تجارب الأمم، ويزن المواقف بميزان الوحي، لا بميزان الهوى أو ضغط الواقع.

ولهذا كانت كربلاء ثمرةً للبصيرة، لا سببًا لها. فمن ثبت مع الإمام الحسين عليه السلام كان قد أعدّ نفسه لهذا الثبات قبل أن يأتي يوم عاشوراء، أما من عاش أسير التردد والمصالح، فقد كشفته الفتنة ولم تصنعه.

ومن هنا فإن أعظم استعدادٍ لفتن المستقبل ليس انتظار وقوعها، وإنما بناء النفس اليوم؛ لأن القلب الذي يتربى على الحق في أيام السعة، يكون أقدر على الثبات عليه في أيام المحنة.

البصيرة في زمن كثرت فيه الأصوات

لم تعد الفتن في زماننا تشبه ما كانت عليه في الأزمنة الماضية. فكثيرٌ منها لا يأتي في صورة مواجهةٍ واضحة بين الحق والباطل، بل يأتي في صورة أفكارٍ متزاحمة، وشعاراتٍ براقة، وأخبارٍ متناقضة، حتى يصبح الإنسان أمام سيلٍ من الآراء التي تدّعي جميعها أنها تمثل الحقيقة.

وفي مثل هذا الواقع، لا يكون الخطر في قلة المعلومات، بل في كثرتها إذا لم تُصاحبها قدرةٌ على التمييز. فقد يسمع الإنسان عشرات الأصوات في يومٍ واحد، ولكن البصيرة هي التي تعلّمه أيَّها يُتبع، وأيَّها يُترك، وأيَّها يُعرض على ميزان الحق.

ولهذا فإن المؤمن لا يجعل رأيه تابعًا لكل ما يسمع، ولا يبني مواقفه على الانفعال أو الشهرة أو كثرة المتابعين، وإنما يزن الأمور بميزانٍ ثابت؛ فيسأل: هل يقرّبني هذا من الله؟ وهل ينسجم مع القرآن، وسنة النبي صلى الله عليه وآله، وهدي أهل البيت عليهم السلام؟ فإن وافق هذا الميزان اطمأن إليه، وإن خالفه لم تغره زخارف القول ولا كثرة المؤيدين.

ومن هنا تبقى كربلاء مدرسةً متجددة؛ لأنها تعلّم الإنسان ألا يُخدع بالمظاهر، وألا يجعل الأكثرية دليلًا على الحق. فقد كان الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء في قلةٍ من الأنصار، ولكن الحق كان معه، بينما كانت الكثرة في الجهة الأخرى.

وهذه الحقيقة يقررها القرآن الكريم في أكثر من موضع، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾.

فالبصيرة تجعل الإنسان يطمئن إلى الحق وإن قلّ أهله، ولا يغتر بالباطل وإن كثر أتباعه. ولذلك كان الإمام الحسين عليه السلام رمزًا للثبات، لأنه علّم الأمة أن قيمة الموقف لا تُقاس بعدد الواقفين معه، وإنما بمقدار موافقته للحق.

ولهذا فإن أحوج ما يحتاج إليه المؤمن في هذا العصر هو أن يحفظ ميزانه الداخلي، فلا تُسيّره الضوضاء، ولا تُغيّر قناعاته أمواجُ الرأي العام، بل يبقى ثابتًا على المبادئ التي جاء بها القرآن، وجسدها رسول الله صلى الله عليه وآله، وقدم الإمام الحسين عليه السلام دمه ليبقيها حيّة في الأمة.

البصيرة عهدٌ مع الله

ليست البصيرة قدرةً على تشخيص الفتن فحسب، بل هي عهدٌ يقطعه المؤمن مع الله أن يبقى طالبًا للحق، متجردًا له، لا يقدّم عليه هوىً ولا مصلحة، ولا يغيّره تغير الأحوال.

فكم من إنسانٍ بدأ طريقه مخلصًا، ثم أضعفته الدنيا، أو غلبته شهوة، أو أرهبه ضغط الناس، ففقد وضوح الرؤية شيئًا فشيئًا. ولذلك لم يكن أهل البيت عليهم السلام يعلّمون شيعتهم كيف يعرفون الحق فقط، بل كيف يثبتون عليه؛ لأن الثبات هو الامتحان الأصعب.

وهنا تتجلى قيمة الإمام الحسين عليه السلام؛ فقد علّم الأمة أن البصيرة ليست موقفًا عابرًا، وإنما استقامةٌ دائمة. فلم يتغير موقفه حين قلّ الناصر، ولم يتردد حين اشتد البلاء، لأن الحق الذي عرفه لم يكن مرتبطًا بالظروف، بل بالله سبحانه وتعالى.

ومن هنا فإن المؤمن بحاجةٍ دائمة إلى أن يراجع نفسه، ويسألها: هل ما زلت أزن الأمور بميزان الحق، أم أصبحت أزن الحق بميزان رغباتي؟ وهل ما زلت أطلب رضا الله، أم أصبحت أبحث عما يوافق هواي؟

ولهذا أرشد الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) الناس إلى ما يحفظ قلوبهم في أزمنة الفتن، فقال: “اللهم يا مقلب القلوب، ثبّت قلبي على دينك”.

فالقضية ليست أن يعرف الإنسان الحق مرةً واحدة، وإنما أن يوفَّق للثبات عليه كل يوم. ولهذا كان هذا الدعاء تربيةً للمؤمن على أن الهداية والثبات نعمةٌ يطلبها من الله باستمرار، وأن القلب إذا ثبت على الحق ثبتت البصيرة، وإذا اضطرب القلب لم تنفع كثرة المعرفة ولا وفرة المعلومات.

إن هذه المراجعة المستمرة، مع صدق الالتجاء إلى الله، هي التي تحفظ البصيرة من أن تخبو، وتجعل الإنسان أقرب إلى الصدق مع نفسه، وأبعد عن الوقوع في الفتنة وهو يظن أنه على هدى.

ولهذا لم تكن نهضة الإمام الحسين عليه السلام دعوةً إلى موقفٍ تاريخي انتهى، بل دعوةً إلى يقظةٍ دائمة، تجعل الإنسان يراقب قلبه قبل أن يراقب أحداث زمانه، ويعتني بإصلاح نفسه قبل أن ينشغل بالحكم على الآخرين.

فإذا بقي القلب حيًّا بالله، وظلت المبادئ هي الميزان، بقيت البصيرة نورًا يهدي صاحبها، مهما كثرت الفتن، وتبدلت الوجوه، وتشابهت الشعارات.

*اللهم ارزقنا بصيرةً نهتدي بها إلى الحق، وثباتًا لا تزلّ معه قلوبنا، واجعلنا من السائرين على نهج الإمام الحسين عليه السلام، إنك سميعٌ مجيب.*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds