
أمير بوخمسين
لم يعد الحديث عن الثقافة والهوية موضوعاً يقتصر على الدوائر الأكاديمية والنخب الثقافية، وانما أصبح من أكثر القضايا إلحاحا في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر. فالتغيرات التكنولوجية المتلاحقة، والانفتاح الإعلامي غير المسبوق، واتساع دوائر التواصل الإنساني، كلها عوامل دفعت المجتمعات إلى إعادة طرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بذاتها:
من نحن؟ وما الذي يميزنا عن غيرنا؟ وكيف نحافظ على خصوصيتنا الثقافية دون أن ننعزل عن العالم؟ هذا هو الإطار الذي تتشكل داخله رؤيتنا لأنفسنا وللآخرين، وتمثل الثقافة الوعاء الذي يحتوي هذا الانتماء ويمنحه معناه ومضامينه العملية. ومن هنا فإن العلاقة بين الثقافة والهوية ليست علاقة تلازم فحسب، بقدر ماهي علاقة تأسيس متبادل، فالثقافة تنتج الهوية وتصوغ ملامحها، والهوية تمنح الثقافة استمراريتها وتحافظ على حضورها عبر الأجيال.
في المفهوم الاجتماعي الواسع، تتجاوز الثقافة حدود الفنون والآداب والمعارف النظرية لتشمل منظومة القيم والمعتقدات والعادات والرموز واللغة وأنماط التفكير والسلوك التي يتبناها المجتمع. هي ذلك النسيج غير المرئي الذي يربط أفراد المجتمع بعضهم ببعض، ويمنحهم شعورًا بالمشترك الإنساني والانتماء الجماعي. أما الهوية فهي التعبير العملي عن هذا المشترك الثقافي، وهي الصورة التي يدرك بها الفرد ذاته ضمن محيطه الاجتماعي والتاريخي والحضاري.
ولذلك فإن أية دراسة جادة للهوية لا يمكن أن تنفصل عن دراسة الثقافة، لأن الهوية لا تتشكل في الفراغ، بل تنمو داخل سياق ثقافي محدد. فاللغة التي نتحدث بها، والقصص التي نرويها لأطفالنا، والأمثال التي نتداولها، والرموز التي نحتفي بها، والأعياد التي نمارس طقوسها، كلها عناصر تسهم بصورة مباشرة في بناء الوعي الجمعي وترسيخ الشعور بالانتماء. ولهذا السبب كانت الثقافة عبر التاريخ إحدى أهم أدوات بناء الأمم والحفاظ على تماسك المجتمعات.
والثقافة ليست كيانًا ثابتًا أو جامدًا، بل هي منظومة حية تتطور باستمرار استجابة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ومن هنا تأتي الطبيعة الحقيقية للهوية ذاتها، فهي ليست حالة مكتملة ونهائية، وإنما مشروع مستمر يُعاد تشكيله مع كل جيل.. وتبرز الثقافة الشعبية باعتبارها أحد أكثر المكونات تأثيرًا في تشكيل الهوية الاجتماعية. فالواقع يثبت أن وعي الناس لا تصنعه المؤسسات الرسمية وحدها، وإنما يتشكل بدرجة كبيرة من خلال ما يتداولونه يوميًّا من أغنيات وحكايات وأمثال وموروثات شفاهية وأعمال فنية ومضامين إعلامية. فالثقافة الشعبية تمثل الذاكرة الحية للمجتمع، وهي القادرة على الانتقال بين الأجيال بسهولة أكبر من كثير من الخطابات الفكرية والنصوص الرسمية.
لقد لعبت الثقافة الشعبية عبر التاريخ دورًا محوريًّا في حفظ الخصوصيات المحلية وتعزيز الشعور بالانتماء، وإلى اليوم ما تزال الثقافة الشعبية تمارس هذا الدور، حيث أصبحت المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي فضاءات واسعة لإنتاج الثقافة وإعادة توزيعها وتشكيل اتجاهاتها.
فقد أصبح صانع المحتوى والمؤثر الرقمي والفنان المستقل عناصر فاعلة في تشكيل الوعي العام وصياغة التصورات الاجتماعية. وهذا التحول أوجد فرصا كبيرة لتجديد الثقافة وإثرائها، ولكنه في الوقت نفسه فرض تحديات معقدة تتعلق بانتشار النماذج الثقافية المستوردة، وتراجع بعض الخصوصيات المحلية، وظهور أنماط جديدة من الهويات العابرة للحدود.
ولا يمكن فهم النقاش المعاصر حول الهوية بعيدا عن تأثير العولمة. فالعولمة لم تقتصر على حركة السلع ورؤوس الأموال، بل امتدت إلى حركة الأفكار والقيم والأنماط الثقافية. وقد أدى ذلك إلى تعميق التفاعل بين الثقافات المختلفة، لكنه أوجد أيضا مخاوف مشروعة لدى كثير من المجتمعات بشأن قدرتها على الحفاظ على ملامحها الخاصة وهويتها، وسط هذا التدفق الهائل من التأثيرات الخارجية.
ومن الناحية الاجتماعية، تؤدي الثقافة دورًا مركزيًّا في تعزيز التماسك المجتمعي والاستقرار السياسي والتنمية الإنسانية. فالمجتمعات التي تمتلك منظومة ثقافية متماسكة تكون أكثر استعدادًا لمواجهة الأزمات والتحديات المشتركة. وهي قيم لا غنى عنها لأي مشروع تنموي ناجح.
وفي المقابل، فإن ضعف الوعي الثقافي أو تآكل المرجعيات المشتركة يؤدي غالبًا إلى تنامي الانقسامات الاجتماعية وتراجع الشعور بالمواطنة والانتماء. إن المتأمل في التحولات الراهنة يلاحظ أن الصراع الحقيقي في القرن الحادي والعشرين لم يعد صراعًا على الموارد وحدها، بل أصبح أيضًا صراعًا على المعنى والوعي والهوية.
وعليه، فإن العلاقة بين الثقافة والهوية ستظل واحدة من أهم القضايا المؤثرة في مستقبل المجتمعات. فالثقافة هي الذاكرة والوعي والقيم، والهوية هي التعبير الحي عن هذه العناصر في سلوك الأفراد والجماعات. وكلما كانت الثقافة أكثر حيوية وعمقًا وانفتاحًا، كانت الهوية أكثر رسوخًا وقدرة على التكيف مع المتغيرات.
ليبقى الرهان الأكبر على بناء إنسان يمتلك وعيًا بثقافته، وثقة بهويته، وقدرة على التفاعل الإيجابي مع العالم من غير أن يفقد جذوره أو يتنكر لخصوصيته الحضارية.





