أقلام

الصوت الذي بقي (1) أمانة البقاء

أحمد الطويل

تنويه:

هذه هي المقالة الأولى من سلسلة “الصوت الذي بقي”، تتبعها مقالاتٌ أخرى تتناول جوانب مختلفة من الدور الذي اضطلع به الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام بعد كربلاء. وتختص هذه المقالة ببيان الحكمة الإلهية في بقائه، وأمانة حفظ رسالة عاشوراء.

مقدمة:

ليست جميع اللحظات العظيمة في التاريخ تُقاس بما وقع فيها، بل بما بقي بعدها.

فكم من معركةٍ انتهت بانتهاء يومها، وكم من ثورةٍ خمدت بانطفاء رجالها، وكم من قادةٍ ملؤوا الدنيا ضجيجًا ثم غابوا، فلم يبقَ منهم إلا أسماءٌ تحفظها الكتب. أما الرسالات الإلهية، فلا تُقاس بانتصارٍ عابر، وإنما بما تتركه من أثرٍ يبقى بعد انقضاء الحدث.

ولهذا، لم يكن السؤال الأكبر بعد عاشوراء: من استشهد؟ وإنما كان السؤال الأخطر: من سيبقى؟

كربلاء والسؤال الذي بقي

لقد بدا المشهد وكأن كل شيء قد انتهى.

ارتقى الإمام الحسين عليه السلام شهيدًا، ولحق به أهل بيته وأصحابه، وأُحرقت الخيام، وسُبيت النساء، وسيق الأطفال أسرى، حتى خُيِّل لمن ينظر إلى تلك الساعات أن الطغيان لم ينتصر بالسيف وحده، بل نجح أيضًا في إسكات آخر صوتٍ يمكن أن يروي للأمة حقيقة ما جرى.

غير أن إرادة الله شاءت غير ذلك.

فكما شاء سبحانه أن يكون للحسين عليه السلام يومٌ يوقظ ضمير الإنسانية، شاء أيضًا أن يبقى بعده من يحمل تلك الرسالة، ويصونها من الضياع، حتى لا تتحول عاشوراء إلى ذكرى، بل تبقى مدرسةً تصنع الإنسان في كل عصر.

ذلك الباقي لم يكن قائد جيشٍ جديد، ولا صاحب رايةٍ يواصل القتال، بل كان أسيرًا خرج من كربلاء مثقلًا بجراحها، يحمل في قلبه من الألم ما لو وُزِّع على أمةٍ لأثقلها، ومع ذلك لم يسمح لذلك الألم أن يتحول إلى يأس، ولا لتلك الفاجعة أن تكون نهاية الطريق.

لقد شاء الله أن تبقى كربلاء حيّة. فشاء أن يبقى معها الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام.

ولعل أدق ما يمكن أن يقال عنه أنه لم يكن الناجي من كربلاء، بل كان الصوت الذي بقي.

حين شاء الله أن يبقى شاهدًا

لو نظر الإنسان إلى كربلاء بعين المؤرخ وحده، لقال إن الإمام زين العابدين عليه السلام بقي حيًا لأنه كان مريضًا يوم عاشوراء، فلم يشارك في القتال.

وهذا تفسيرٌ يصف ظاهر الحدث، لكنه لا يكشف حكمته.

فالإيمان لا يقف عند ظاهر الأسباب، بل ينظر إلى الحكمة التي تجري من خلالها إرادة الله.

والمؤمن يعلم أن الله إذا أراد أن يحفظ رسالةً خالدة، فإنه لا يهيئ لها رجال الشهادة وحدهم، بل يهيئ أيضًا رجال البقاء.

ولهذا لم يكن بقاء الإمام السجاد عليه السلام حادثةً فرضها المرض، بل كان جزءًا من التدبير الإلهي الذي أراد لكربلاء أن تبقى حيّة إلى قيام الساعة.

من الشهادة إلى الأمانة

لقد شاء الله أن يرتقي الإمام الحسين عليه السلام شهيدًا، وشاء في الوقت نفسه أن يبقى ابنه شاهدًا.

وليس لأن منزلة الشهادة أعلى من منزلة البقاء، أو لأن البقاء أقل شأنًا منها، بل لأن لكل مرحلةٍ رجالها، ولكل تكليفٍ رسالته.

فلو استشهد الإمام السجاد عليه السلام مع أبيه، لبلغت كربلاء ذروة التضحية، لكنها كانت ستفقد الشاهد الذي يحمل حقيقتها، ويكشف مقصدها، ويمنع أن يكتبها المنتصرون كما يشاؤون.

ومن هنا تبدأ مرحلةٌ جديدة من الرسالات.

فالدم يستطيع أن يوقظ الضمير، لكنه لا يتكلم وحده.

والشهادة، مهما بلغت عظمتها، تحتاج إلى من يحفظ معناها، حتى لا تضيع بين ضجيج السياسة وغبار الزمن.

ولهذا بقي الإمام زين العابدين عليه السلام.

لم يبقه الله لينجو من كربلاء، بل ليحمل كربلاء إلى المستقبل.

ويبقى السؤال

وهنا تتجلى الحكمة التي بدأت بها هذه المقالة.

لو أن الإمام زين العابدين عليه السلام استشهد مع أبيه يوم عاشوراء، لبقيت كربلاء أعظم ملحمةٍ في التضحية، ولكن من الذي كان سيحمل معناها إلى الأمة؟ ومن الذي كان سيمنع أن تتحول تلك النهضة الإلهية إلى روايةٍ يكتبها المنتصرون كما يشاؤون؟

لقد شاء الله أن يبقى الإمام، لا لأن المعركة انتهت، بل لأن الرسالة لم تنتهِ بعد.

فكانت أمانة البقاء امتدادًا لأمانة الشهادة، وكان حفظ الوعي وجهًا آخر لحفظ الدين، حتى لا يبقى دم الحسين عليه السلام حادثةً في التاريخ، بل نورًا يهدي الأجيال.

غير أن البقاء وحده لم يكن هو الرسالة، وإنما كان بداية مرحلةٍ جديدة، انتقلت فيها كربلاء من ميدان الدم إلى ميدان الكلمة، ومن صوت السيوف إلى صوت الحقيقة.

فكيف حمل الإمام زين العابدين عليه السلام هذه الأمانة وهو خارجٌ من كربلاء أسيرًا؟ وكيف استطاع أن يحفظ نهضة أبيه، وأن يحوّل القيود إلى منبر، والأسر إلى رسالة، حتى بدأ الانتصار الحقيقي لعاشوراء بعد أن انتهت المعركة؟

ذلك ما نتأمله في المقالة القادمة، بإذن الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds